مأساة سبتة تكشف تناقض “البام”.. الأصالة والمعاصرة يرفع شعار تمكين الشباب ولوائحه الانتخابية تروي قصة أخرى
هبة زووم – الرباط
في كل أزمة اجتماعية أو سياسية تهز المغرب، يكاد يتكرر المشهد نفسه؛ صمت طويل يعقبه بلاغ سياسي لا يحمل جديداً، ولا يقدم قراءة نقدية أو تحملاً للمسؤولية، بل يكتفي بعبارات إنشائية عن الحكمة والإنصات والحوار.
وهذا بالضبط ما فعله حزب الأصالة والمعاصرة عقب أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية المحتلتين، في وقت كان الرأي العام ينتظر مواقف سياسية جريئة تلامس جذور الأزمة بدل الاكتفاء بوصف نتائجها.
فالحزب، الذي عبر في بلاغه عن أسفه للأحداث، وأشاد بطريقة تدبير السلطات للأزمة، اختار أن يركز على ضرورة الإنصات للشباب وتمكينهم وتعزيز الحوار معهم، متحدثاً عن انسداد الأفق واتساع الهوة بينهم وبين المؤسسات.
غير أن هذا الخطاب، في نظر العديد من المتابعين، يصطدم بواقع الممارسة السياسية للحزب نفسه، الذي لم يعكس، في اختياراته التنظيمية والانتخابية، ما يدعو إليه في بياناته.
فالحديث عن تمكين الشباب يفقد الكثير من مصداقيته عندما تكشف لوائح الترشيحات للانتخابات التشريعية المقبلة عن حضور محدود، إن لم يكن باهتاً، للكفاءات الشابة داخل الحزب، مقابل استمرار الوجوه نفسها في تصدر المشهد الانتخابي، بما يعكس هيمنة منطق إعادة إنتاج النخب التقليدية على حساب ضخ دماء جديدة داخل المؤسسات المنتخبة.
وهنا يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة؛ فكيف يمكن لحزب يتحدث اليوم عن ضرورة إشراك الشباب والاستماع إليهم أن يهمشهم في أهم محطة سياسية، وهي اختيار المرشحين لتمثيل المواطنين داخل البرلمان؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بالثقة في العمل السياسي إذا كانت الأحزاب نفسها لا تمنحهم فرصة الوصول إلى مواقع القرار؟
إن مأساة سبتة لم تكن مجرد أزمة حدود أو تدفقات بشرية، بل كانت رسالة اجتماعية وسياسية عميقة تعكس حجم الإحباط الذي يعيشه جزء من الشباب المغربي، نتيجة البطالة، وتراجع فرص الإدماج، واتساع الفوارق الاجتماعية، وضعف الثقة في المؤسسات.
وهي رسالة تستوجب مراجعة حقيقية للسياسات العمومية، كما تستوجب أيضاً مراجعة داخلية للأحزاب السياسية التي ظلت لعقود تتحدث باسم الشباب دون أن تفسح لهم المجال للمشاركة الفعلية.
ولم يحمل بلاغ حزب الأصالة والمعاصرة أي تقييم ذاتي لدوره السياسي، ولا أي اعتراف بحدود أداء الأحزاب في تأطير الشباب واستعادة ثقتهم، بل اكتفى بترديد شعارات عامة حول الحوار والإنصات، وكأن الحزب يوجد خارج معادلة المسؤولية السياسية، رغم أنه ظل لسنوات أحد أبرز مكونات الأغلبية الحكومية والمؤسسات المنتخبة.
إن تمكين الشباب لا يتحقق عبر البلاغات، وإنما يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، من خلال تجديد نخبها، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتولي المسؤولية، وإشراكها في صناعة القرار، لا الاكتفاء باستدعائها عند الأزمات لتبرير الفشل أو امتصاص الغضب.
واليوم، وبعد ما عاشه المغرب من أحداث مؤلمة على حدود سبتة، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب سياسي أكثر صدقاً مع المواطنين، يعترف بالاختلالات، ويتحمل المسؤولية، ويقدم حلولاً عملية، بدل الاكتفاء ببلاغات إنشائية لا تغير من الواقع شيئاً.
فالشباب المغربي لا يحتاج إلى من يكرر الحديث عن تمكينه، بقدر ما يحتاج إلى أحزاب تؤمن فعلاً بقدرته على القيادة، وتمنحه المكانة التي يستحقها داخل مؤسساتها قبل مطالبة الدولة بتمكينه خارجها.