مجلس المنافسة يفتح النار على لوبيات الإسمنت

هبة زووم – الرباط
في خطوة لافتة تهدف إلى كبح جماح الممارسات التي تهدد التوازن التنافسي داخل أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الوطني، أعلن مجلس المنافسة، يوم الإثنين 28 يوليوز 2025، عن إطلاق اختبار سوقي لاستقبال ملاحظات المتدخلين بشأن حزمة من الالتزامات المقترحة من طرف الشركات الكبرى العاملة في مجال الإسمنت.
الخطوة تأتي في سياق تطبيق صارم لمقتضيات القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، وهو ما يعكس توجها جديدًا من المجلس لتفعيل دوره الدستوري في مواجهة تمركزات السوق، خاصة في ظل العلاقات الرأسية التي تجمع بين أنشطة إنتاج وتسويق الإسمنت من جهة، وتجارة الكلنكر (المادة الخام الرئيسية في صناعة الإسمنت) من جهة أخرى.
الالتزامات المقترحة من طرف شركات الإسمنت، والتي تخضع حاليًا للتشاور العمومي، تتضمن حزمة من التدابير الإصلاحية الهيكلية، أبرزها: تقليص الامتيازات الممنوحة لفروع الشركات نفسها في ما يخص بيع الكلنكر، بما يتيح فرصًا متكافئة للفاعلين الآخرين، فصل الأنشطة بين إنتاج الكلنكر وتصنيع وتسويق الإسمنت على المستوى الإداري والتشغيلي، تجنبًا لتضارب المصالح، ضمان الشفافية في تسعير الكلنكر وشروط البيع، بما يُمَكِّن المنافسين من الولوج العادل للسوق وفتح سوق الرماد المتطاير (Fly Ash) أمام فاعلين جدد، لكسر الاحتكار وإعادة التوازن في سلاسل الإنتاج.
وفق البلاغ الرسمي، منح مجلس المنافسة مهلة 30 يومًا للفاعلين في السوق والجهات المعنية لتقديم ملاحظاتهم واقتراحاتهم حول مضامين هذه الالتزامات، انطلاقًا من مقاربة تشاركية واستباقية تهدف إلى تقويم أي قصور محتمل قبل تحويل هذه الالتزامات إلى قرارات ملزمة.
الاختبار السوقي لا يهدف فقط إلى تنظيم المنافسة داخل السوق، بل يحمل بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا أوسع، حيث يسعى إلى حماية المقاولات الصغرى والمتوسطة من الممارسات الإقصائية التي تنهجها بعض الشركات الكبرى، والتي تستفيد من هيمنة مزدوجة على مرحلتي الإنتاج والتوزيع.
الخطوة الجديدة لمجلس المنافسة تشكّل نقطة تحول نوعية في مسار تقنين قطاع يُتهم منذ سنوات بأنه يغرق في تكتلات شبه احتكارية أضرت بالمستهلك النهائي، وساهمت في تثبيت أسعار مرتفعة للإسمنت، رغم التراجع النسبي في الطلب خلال فترات متفرقة من السنوات الماضية.
فهل تنجح هذه الالتزامات الجديدة في كسر الطوق الاحتكاري المفروض على قطاع استراتيجي مثل الإسمنت؟ وهل يتفاعل الفاعلون المعنيون بجدية ومسؤولية مع دعوة المجلس؟ الأسابيع القادمة ستكون حاسمة في كشف مصير هذه المحاولة التنظيمية الجريئة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد