هبة زووم – الرباط
في وقتٍ تتعالى فيه الخطابات الرسمية حول محاربة الفساد وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، يأتي التقرير الأخير لمرصد العمل الحكومي ليقلب الطاولة على هذا الخطاب، كاشفًا عن فجوة مقلقة بين الشعارات والممارسة، ومؤكدًا أن الفساد لا يزال خارج دائرة الأولويات الحقيقية للحكومة.
التقرير لم يكتفِ برصد الاختلالات، بل ذهب أبعد من ذلك، ليضع الإصبع على جرحٍ عميق ظل ينزف بصمت لسنوات: غياب الإرادة السياسية والمؤسساتية الصارمة لمواجهة الفساد، في وقتٍ تتطلب فيه المرحلة قرارات جريئة تقطع مع اقتصاد الريع وتضارب المصالح.
لغة الأرقام كانت صادمة؛ فالمغرب، وفق التقرير، تراجع إلى المرتبة 99 عالميًا في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025، وهو ما يعكس بوضوح أن الجهود المبذولة لم ترقَ إلى مستوى التحديات، بل إن منحنى الإصلاح يسير عكس تطلعات المجتمع.
لكن الأخطر من الترتيب الدولي، هو الكلفة الاقتصادية الباهظة للفساد، والتي قُدّرت بنحو 50 مليار درهم سنويًا. رقم ثقيل لا يعكس فقط حجم الرشوة المباشرة، بل يكشف أيضًا عن نزيف متعدد الأوجه يشمل سوء توجيه الموارد، وتضخم كلفة المشاريع، وضعف نجاعة الصفقات العمومية، وهو ما يحوّل الفساد إلى عائق بنيوي أمام أي إقلاع تنموي حقيقي.
التقرير يسلّط الضوء على استمرار مظاهر الريع، خاصة في قطاعات حساسة كالمحروقات، حيث لم تنجح العقوبات التي فرضها مجلس المنافسة في إعادة التوازن للسوق أو استعادة ثقة المواطنين، فالإجراءات الزجرية، رغم أهميتها، ظلت محدودة الأثر، بينما بقيت الأسعار مرتفعة، في مشهد يعزز الشكوك حول عمق الاختلالات.
كما لم يفلت ملف الصفقات العمومية من دائرة النقد، حيث تحوّل إلى عنوان بارز لتداخل المال بالسلطة، وسط غياب قواعد صارمة تحد من تضارب المصالح. هذه الوضعية، بحسب التقرير، تكرّس مناخًا غير تنافسي، وتضعف ثقة الفاعلين الاقتصاديين، وتفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة.
ومن بين أكثر النقاط إثارة للجدل، حديث التقرير عن ما سماه بـ”فراقشية الدعم”، في إشارة إلى المستفيدين من اختلالات سلاسل التوزيع وآليات الدعم العمومي، خاصة خلال فترات الغلاء.
هؤلاء، وفق نفس المصدر، نجحوا في تحويل الدعم الموجه للفئات الهشة إلى ريع جديد، مستفيدين من ضعف المراقبة وغياب الصرامة في التتبع.
ما يكشفه التقرير ليس مجرد تعثر ظرفي، بل أزمة أعمق ترتبط بغياب رؤية واضحة لمحاربة الفساد كأولوية استراتيجية، فحين يتحول الفساد إلى ظاهرة “مُتعايش معها”، وحين تغيب المحاسبة الفعلية، يصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص مجرد شعارات للاستهلاك السياسي.
إن الرسالة التي يبعثها مرصد العمل الحكومي واضحة: لا تنمية دون محاربة حقيقية للفساد، ولا ثقة دون شفافية، ولا استثمار دون قواعد عادلة.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقًا: هل تملك الحكومة الجرأة للانتقال من خطاب محاربة الفساد إلى ممارسته فعليًا، أم أن الزمن الإصلاحي سيظل رهين التردد والتأجيل؟
تعليقات الزوار