هبة زووم – الرباط
يدخل قرار التوقف الشامل والإنذاري عن العمل الذي أعلنته جمعية هيئات المحامين بالمغرب حيز التنفيذ ابتداءً من 15 يونيو 2026، في خطوة تعكس حجم التوتر غير المسبوق بين الجسم المهني ووزارة العدل، وتؤشر على انتقال الخلاف من دائرة النقاش المؤسساتي إلى مربع المواجهة المفتوحة.
ولم يعد الأمر يتعلق بمجرد تباين في وجهات النظر حول مشروع قانون ينظم مهنة المحاماة، بل أصبح يعكس أزمة ثقة عميقة بين الوزارة والهيئات المهنية، بعد أن اعتبرت جمعية هيئات المحامين أن التصريحات الصادرة عن وزير العدل تجاوزت حدود الاختلاف السياسي أو التشريعي لتصل، بحسب تعبيرها، إلى مستوى الإساءة للمهنة والتشكيك في مؤسساتها.
ويحمل قرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع كامل رسائل متعددة، أبرزها أن المحامين اختاروا التصعيد بعدما رأوا أن قنوات الحوار لم تعد كافية لمعالجة الخلافات القائمة.
فشلل جزء من السير العادي للمحاكم لا يمثل مجرد احتجاج نقابي، بل يعكس حجم الاحتقان الذي بات يطبع العلاقة بين السلطة الحكومية الوصية وأحد أهم مكونات منظومة العدالة.
وفي المقابل، يضع هذا التطور وزارة العدل أمام تحد حقيقي يتمثل في كيفية إدارة الخلاف مع هيئة تعتبر شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة وضمان حقوق المتقاضين.
فالتشريع، مهما كانت أهدافه، يحتاج إلى حد أدنى من التوافق مع الفاعلين المعنيين به، خاصة عندما يتعلق الأمر بمهنة لها مكانتها الدستورية ودورها المحوري في حماية الحقوق والحريات.
كما يسلط هذا التصعيد الضوء على منهجية تدبير الملفات الحساسة داخل قطاع العدالة، حيث يرى عدد من المتابعين أن الاحتكام إلى الحوار المؤسساتي واحترام استقلالية الهيئات المهنية يظل أكثر جدوى من تبادل الاتهامات أو الخطابات المتشنجة التي قد تزيد من تعقيد المشهد.
ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش في هذا الملف دفاع جمعية هيئات المحامين عن تعاضدية المحامين، ورفضها ما تعتبره تشكيكاً في طريقة تدبيرها، مؤكدة أنها مؤسسة اجتماعية تخضع لآليات الرقابة القانونية وتؤدي دوراً محورياً في توفير الحماية الاجتماعية للمنتسبين إليها وأسرهم.
ويكتسب هذا الاحتقان بعداً سياسياً إضافياً مع إعلان الجمعية عزمها مراسلة رئيس الحكومة بشأن تصريحات وزير العدل، في مؤشر على أن الخلاف تجاوز حدود النقاش التقني حول مشروع القانون وأصبح يمس طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والهيئات المهنية.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو تجنب تحول هذا الصدام إلى أزمة ممتدة قد تؤثر على حسن سير العدالة ومصالح المتقاضين. فالمواطن الذي يلج أبواب المحاكم بحثاً عن إنصاف أو حماية لحق من حقوقه، سيكون أول المتأثرين بأي تعثر في أداء المنظومة القضائية.
وفي ظل استمرار التوتر وإبقاء جمعية هيئات المحامين مكتبها في حالة انعقاد دائم، تبدو الحاجة ملحة إلى مبادرة حوار جادة تعيد النقاش إلى طابعه المؤسساتي، وتبحث عن حلول متوازنة تحفظ هيبة مؤسسات الدولة وتحترم في الوقت نفسه استقلالية المهن القانونية وأدوارها داخل منظومة العدالة.
تعليقات الزوار