هبة زووم – محمد أمين
كلما اقترب موعد الانتخابات، تتحول الساحة السياسية بوجدة إلى مسرح مفتوح تعود إليه الوجوه نفسها، وتُبعث فيه الوعود ذاتها، وتُرفع فيه الشعارات التي سرعان ما تتبخر بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
لكن الأخطر من كل ذلك، أن المواسم الانتخابية أصبحت تثير، في كل مرة، مخاوف متزايدة من تغلغل المال المشبوه في الحياة السياسية، ومحاولات بعض أصحاب الثروات غير المبررة تحويل البرلمان إلى استثمار يدر النفوذ والحصانة أكثر مما يخدم المواطنين.
ففي الجهة الشرقية، كما في غيرها من المناطق، لم تعد المخاوف تقتصر على شراء الأصوات أو استمالة الناخبين، بل أصبحت تتعلق بإمكانية اختراق المؤسسات المنتخبة من طرف أشخاص راكموا ثرواتهم في ظروف تثير الكثير من علامات الاستفهام، ومن بينهم من تحوم حولهم شبهات الارتباط بالاتجار في المخدرات أو تبييض الأموال أو الاقتصاد غير المهيكل.
وعندما يصبح المال هو الطريق الأسرع نحو التزكيات، فإن السياسة تفقد معناها النبيل، وتتحول الأحزاب إلى بوابات عبور لمن يملك القدرة على التمويل، لا لمن يملك المشروع والكفاءة والنزاهة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن إقناع الشباب بالمشاركة السياسية، إذا كانت بعض المقاعد تبدو وكأنها تُحسم في “بورصة النفوذ” قبل أن تُحسم داخل صناديق الاقتراع؟
لقد أصبح من المألوف أن تختفي بعض الوجوه طوال الولاية الانتدابية، ثم تعود مع اقتراب الانتخابات وهي تحمل خطاب القرب من المواطنين، وتتنقل بين الأحياء والأسواق والدواوير، لا بدافع الإنصات لمعاناة السكان، بل بحثًا عن الأصوات التي تضمن الوصول إلى قبة البرلمان.
أما المواطن، الذي ظل لسنوات يواجه مشاكل البطالة، وضعف الخدمات، وتدهور البنيات التحتية، فلا يتذكره أحد إلا عندما يتحول صوته إلى ورقة انتخابية.
والأكثر خطورة أن الحديث لم يعد يقتصر على التنافس السياسي، بل امتد إلى تداول معطيات وشبهات حول سعي بعض أصحاب الأموال المشبوهة إلى شراء التزكيات أو التأثير في مسار الترشيحات، في محاولة لتحويل الحصانة البرلمانية إلى درع يحمي المصالح الخاصة بدل أن تكون وسيلة لخدمة الصالح العام.
وهي معطيات تبقى، بطبيعة الحال، في حاجة إلى الإثبات والتحقيق من قبل الجهات المختصة، لكن مجرد تداولها يكفي لإضعاف ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.
إن البرلمان ليس ملاذًا لغسل السمعة، ولا فضاءً لتبييض الأموال أو النفوذ، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تضم من يمثلون الإرادة الشعبية ويحملون هموم المواطنين. لذلك فإن أي تساهل مع المال الفاسد أو مع مصادر التمويل المشبوهة يمثل تهديدًا مباشراً للديمقراطية ولمصداقية المؤسسات.
واليوم، تقع على عاتق السلطات المختصة، وعلى رأسها وزارة الداخلية والنيابة العامة والهيئات المكلفة بمحاربة غسل الأموال، مسؤولية مضاعفة في تتبع مصادر تمويل الحملات الانتخابية، والتدقيق في التصريحات المالية للمترشحين، والتصدي لكل محاولة لاستعمال الأموال غير المشروعة للتأثير على إرادة الناخبين.
كما تتحمل الأحزاب السياسية بدورها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، وذلك بعدم تحويل التزكيات إلى سلعة تُمنح لمن يملك القدرة المالية، لأن التساهل في هذا الباب يفتح المجال أمام اختراق المؤسسات من طرف شبكات لا تؤمن بالعمل السياسي، بل تعتبره امتدادًا لمصالحها الخاصة.
فالانتخابات ليست مزادًا علنيًا، والمقعد البرلماني ليس سلعة تُشترى وتُباع، والديمقراطية لا يمكن أن تستقيم إذا أصبح المال الأسود هو المحدد الحقيقي للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
وإذا كانت الدولة قد رفعت شعار تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن المرحلة تفرض ترجمة هذه الشعارات إلى إجراءات صارمة، حتى يقتنع المواطن بأن البرلمان يُنتخب بالإرادة الشعبية، لا بقوة المال والنفوذ.
تعليقات الزوار