هبة زووم – حسن لعشير
في مشهد يختزل حجم المأساة الإنسانية التي تتكرر على سواحل البحر الأبيض المتوسط، احتضنت مقبرة سيدي مبارك بمدينة سبتة المحتلة، يوم الثلاثاء 28 يوليوز 2026، مراسم دفن جثماني شابين مهاجرين مجهولي الهوية، بعدما لفظتهما أمواج البحر إثر محاولة جديدة للهجرة غير النظامية انتهت كما انتهت عشرات المحاولات الأخرى بالموت.
وبحسب ما أوردته صحيفة “إل فارو” المحلية، فقد ووري الجثمانان الثرى في القبرين رقم 5393 و5394، بعد أن تعذر التعرف على هويتهما، في وقت تشير فيه المعطيات الأولية إلى أنهما ظلا عالقين في عرض البحر لنحو أسبوع كامل، ويرجح أنهما لشابين في مقتبل العمر، دون مؤشرات تفيد بأنهما قاصران.
وكانت عناصر الحرس المدني الإسباني قد انتشلت خلال نهاية الأسبوع الماضي أربعة جثامين من عرض البحر، من بينها الجثمانان اللذان دُفنا، فيما باشرت الشرطة القضائية الإسبانية إجراءات رفع البصمات وإنجاز الملفات التقنية الخاصة بهما، على أمل أن تتمكن مستقبلاً من تحديد هويتهما عبر مطابقة المعطيات أو عينات الحمض النووي التي قد تقدمها عائلات المفقودين.
ونظراً للحالة المتقدمة لتحلل الجثتين، تقرر دفنهما بمقبرة سيدي مبارك، حيث تكفلت إحدى المؤسسات المختصة بنقل النعشين، قبل أداء صلاة الجنازة ومواراتهما الثرى إلى جانب عشرات المهاجرين الذين انتهت رحلتهم بالطريقة نفسها، بعدما ابتلعتهم أمواج البحر وهم يطاردون حلم الوصول إلى الضفة الأخرى.
ولم تعد مقبرة سيدي مبارك مجرد فضاء لدفن الموتى، بل تحولت مع مرور السنوات إلى شاهد صامت على مآسي الهجرة غير النظامية، بعدما امتلأت قبورها بجثامين شباب ومراهقين مجهولي الهوية، دفعتهم أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة إلى المجازفة بحياتهم في البحر، فكانت النهاية قبراً يحمل رقماً بدل الاسم، وصمتاً بدل الحكاية.
وتكشف الأرقام المتداولة حجم الكارثة، إذ ارتفع عدد الجثامين التي عُثر عليها منذ بداية السنة إلى 27 جثة، بينها ثماني جثث خلال شهر يوليوز وحده، في مؤشر مقلق يعكس استمرار نزيف الأرواح على هذا المسار البحري الخطير.
وفي المقابل، لا تزال عائلات عديدة تعيش على وقع الانتظار القاتل، بعدما انقطعت أخبار أبنائها الذين غادروا في رحلات مجهولة المصير، بين أمل بالنجاة وخوف من أن يكونوا مجرد أرقام جديدة في سجلات المفقودين.
لذلك تؤكد الجهات المختصة باستمرار أهمية التبليغ الرسمي عن حالات الاختفاء، وتقديم عينات الحمض النووي (DNA)، لتسهيل التعرف على هوية الضحايا وإنهاء معاناة أسرهم.
إن تكرار هذه المآسي يفرض طرح أسئلة مؤلمة حول الأسباب العميقة التي تدفع مئات الشباب إلى ركوب البحر رغم علمهم بأن النهاية قد تكون الموت.
فالهجرة غير النظامية لم تعد مجرد ظاهرة أمنية، بل أصبحت مرآة تعكس اختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، تجعل كثيرين يرون في البحر فرصة أخيرة، حتى وإن كان ثمنها حياتهم.
فكل جثمان مجهول يُدفن في سبتة المحتلة ليس مجرد رقم جديد في إحصائيات الهجرة، بل هو قصة إنسانية انتهت قبل أن تبدأ، ورسالة موجعة تؤكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بتشديد المراقبة الأمنية، وإنما أيضاً بفتح آفاق حقيقية أمام الشباب، وإعادة الأمل إلى من دفعهم اليأس إلى الارتماء في أحضان البحر.
تعليقات الزوار