هبة زووم – ورزازات
في تطور لافت يعكس حجم التوتر الذي بات يلف علاقة بعض مكونات المجتمع مع مؤسسات الدولة، أصدرت خمس نقابات تعليمية بإقليم ورزازات بلاغًا مشتركًا تندد فيه بشدة بما وصفته بـ”حملة الإساءة والتشهير الممنهجة” التي طالت أحد موظفي المكتب الجهوي للاستشارة الفلاحية، السيد كمال دزاز، عبر صفحات محلية على موقع فيسبوك.
البلاغ الموقع من قبل فروع النقابات الخمس: الاتحاد المغربي للشغل (UMT)، الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM)، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (UGTM)، الفيدرالية الديمقراطية للشغل (FDT)، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، لم يكتف بالتعبير عن الرفض والاستياء، بل حمل في طياته اتهامات مباشرة بوجود أجندات تضرب في العمق صورة المرفق العمومي وثقة المواطن في مؤسساته.
ووفق ما أورده البلاغ، فقد تم استهداف كمال دزاز عبر تدوينات وتسجيلات صوتية وُصفت بأنها مليئة بالاتهامات المجانية والعبارات القدحية، من قبيل “التحرش” و”الفساد الإداري” و”الزبونية”، دون أي دليل مادي أو مسوغ قانوني. وهو ما اعتبرته النقابات انتهاكًا خطيرًا لحقوق الموظفين وخرقًا سافرًا لقرينة البراءة.
في سياق مماثل، أكدت المركزيات النقابية أن الموظف المستهدف “مشهود له بالكفاءة والنزاهة”، ويشتغل داخل مؤسسة تلعب أدوارًا تنموية حيوية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الجهات التي تسعى لعرقلة أداء المكتب الجهوي للاستشارة الفلاحية، خصوصًا في سياق تحصيل الديون العمومية، كما ألمح البيان.
الخطير في هذه القضية لا يكمن فقط في استهداف موظف عمومي، بل في صمت الجهات الرسمية إزاء تنامي حملات التشهير الرقمي التي أضحت سلاحًا لتصفية الحسابات الشخصية أو العرقلة المؤسساتية.
النقابات، في موقف نادر موحّد، دعت السلطات الأمنية والقضائية إلى فتح تحقيق عاجل وجدي، لا فقط لحماية السيد دزاز، بل لرد الاعتبار للمؤسسة العمومية ككل، في وقت أصبح فيه بعض الموظفين عرضة للابتزاز الرقمي دون حماية فعلية.
كما حملت النقابات الجهات المختصة كامل المسؤولية في ضمان سلامة وكرامة الموظفين، ملوّحة بإمكانية التصعيد في حال استمرار هذا “الانفلات الرقمي”.
في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، أضحى الفصل بين حرية التعبير والتشهير مهمة صعبة، بل غامضة في أذهان البعض. فإذا كانت حرية الرأي مكفولة دستوريًا، فإن استغلال الفضاء الرقمي لتلطيخ سمعة الأشخاص دون أدلة أو عبر حسابات وهمية، يندرج في إطار “الجرائم الإلكترونية”، التي يعاقب عليها القانون.
والخطورة لا تتوقف هنا، فمثل هذه الممارسات تُربك أداء المؤسسات، وتزعزع الثقة المجتمعية فيها، وتخلق جوًا من الريبة والتخوين المجاني. وقد تكون لها تبعات مهنية ونفسية خطيرة على الضحايا، دون أن يتم فتح تحقيقات فعالة أو الوصول إلى من يقف وراء هذه الهجمات الإلكترونية.
في موقف اعتُبر نادرًا، أجمعت خمس نقابات من مشارب مختلفة على موقف موحد، ما يعكس خطورة الوضع، ويؤكد أن القضية تتجاوز الشخص لتلامس أزمة ثقة حقيقية في الحماية المؤسساتية للعاملين بالقطاع العام.
ولعل أبرز ما ورد في البلاغ هو التأكيد على أن الدفاع عن كرامة الموظفين هو “جزء من معركة أوسع لصيانة الثقة في المؤسسات العمومية”، وهي رسالة مشفرة إلى الدولة بأن الهجوم على موظفيها دون رادع يُعد نزيفًا في شرعية الإدارة وتهديدًا لوظيفتها.
ما وقع في ورزازات يطرح أسئلة مؤرقة: هل أصبحت “التدوينة” أقوى من القانون؟ وأين تقف الدولة حين تُستباح كرامة موظفيها؟ وهل يمكن لمرفق عمومي أن يُؤدي دوره وسط حملات تخوين وتشويه بلا دليل؟
تعليقات الزوار