كرة القدم على مفترق الطرق.. فهل نحن أمام بداية نهاية “فراقشية التحكيم”؟

هبة زووم – الرباط
تبدو كرة القدم المغربية هذه الأيام وكأنها تجاوزت مجرد كونها لعبة تُمارس فوق العشب، لتتحول إلى مسرح واسع تتقاطع فيه مهارات المراوغة داخل الملعب مع أشكال أخرى من المراوغات خارجه: التفاف، تملص، تحايل.. وكل ذلك تحت لافتة باردة تقول: “اللعب النظيف”.
فمن كان يتوقع أن يتحول بعض قضاة الملاعب، الذين ظلوا يقدّمون أنفسهم لسنوات بصفتهم “حماة اللعبة” و”حراس العدالة الرياضية”، إلى عناصر تُثار حولها شبهات التلاعب بالنتائج؟
القاعدة الذهبية تقول: حين تتعدد التفسيرات المتضاربة حول قضية ما، فاعلم أن الحقيقة غالباً أكثر قتامة من الرواية السائدة.
واليوم، بينما تمتلئ مواقع التواصل بتصريحات وقراءات متناقضة، يبقى الصمت الرسمي أعلى ضجيجًا من كل الأصوات، فهل ما حدث مجرد حادثة معزولة؟ أم أن هناك فصولًا مخفية من قصة لم يسمح بعد بنشرها؟
ملفات اختلالات التحكيم في المغرب ليست أسراراً دفينة؛ هي كتب مفتوحة تُقرأ بين السطور، لكن صفحاتها تُترك بلا خاتمة إلى أن يقرر “شي حد من الفوق” أن الوقت حان لإغلاق الملف أو إعادة فتحه.
غير أن حالة الحكم شرحبيل تبدو مختلفة؛ فالغموض الذي يحيط بإدارته لمباراة اتحاد تواركة والزمامرة – فريق رئيس العصبة الاحترافية – يضيف طبقات جديدة من الشكوك.
فالرجل اختفى عن نقاش الرأي العام كما لو أنه شبح يذوب في الظل: لا بلاغ رسمي، لا توضيحات، فقط تسريبات مبعثرة تترك الجمهور يتساءل: ماذا حدث فعلاً؟ ولماذا يبدو الجميع متحفظاً إزاء الخوض في تفاصيل هذا الملف بالذات؟
في المقابل، يُظهر هذا الجدل هشاشة حقيقية في منظومة التسيير الرياضي، فالتخطيط – الذي يُعد حجر الأساس في بناء الفروع الرياضية – بات عملة نادرة في زمن تحكمه ردود الأفعال بدل الرؤية البعيدة.
فأي مشروع رياضي لا يستند إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس مصيره الفشل، خصوصاً حين تطغى الاجتهادات الشخصية على المعايير العلمية، ويتحول التدبير إلى قرارات مرتجلة تُقصي الكفاءات وتفتح المجال لـ”البيع والشراء” و”التحيز” و”التأثير من وراء الستار”.
التخطيط الحقيقي يقوم على بناء مستقبل انطلاقاً من قراءة دقيقة للماضي والحاضر، ويهدف لرفع الأداء وضمان الاستمرارية وخلق نجاح مستدام.
أما حين تتآكل الشفافية، وتُستبدل الحكامة الرياضية بالترضيات، يصبح الفساد ليس مجرد انحراف، بل جزءاً من آليات اشتغال المنظومة.
وهكذا، لا يبدو ملف “فراقشية التحكيم” مجرد زوبعة إعلامية، بل مؤشرًا على أزمة أعمق بكثير: أزمة توازن بين ما يُشيد وما يُدبّر.
المغرب اليوم يستثمر ملايين في البنيات الرياضية ويحقق مكاسب كبرى، لكنه ما يزال يتعثر في أدق التفاصيل.. تلك التفاصيل التي تصنع الفرق بين منظومة محترفة ومنظومة تبحث عن نفسها وسط العشوائية والظلال.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية نهاية فراقشية التحكيم؟ أم أننا ما زلنا في بداية مسلسل طويل لم تُكتب حلقاته الأخيرة بعد؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد