الرشيدية: ثقافة الرداءة تهدد مستقبل المدينة وإدارة ترابية تعمل بمنطق المسكنات

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
الراشيدية، قلب الصحراء الشرقية ونقطة وصل استراتيجية بين أقطاب البلاد، تتحول يومًا بعد يوم إلى مختبر حقيقي للفشل التنموي، وكأنها نموذج حي لعطب الدولة في أضعف تجلياته.
فحين تتجلى روح خطاب صاحب الجلالة بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على العرش، مؤكّدًا أن “لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين”، يبدو أن المدينة لا تزال أسيرة سياسات ترقيعية تبعدها عن الرؤية الحقيقية للتنمية المستدامة.
إن ما يُسوّق من منجزات محلية لا يتجاوز مستوى العبث؛ إنارة شارع تُقدّم كإنجاز تاريخي، ترقيع حفرة يُحتفى به كفتح تنموي، أو تدشين مشروع هزيل يُقدّم كقيمة مضافة للتنمية.
كل هذا يكشف عقلية إدارة المدينة، حيث الأولوية لتوزيع المنافع بين لوبيات متناوبة على موارد المدينة، بدل التفكير في مشاريع كبرى وفعالة. النتيجة المباشرة هي هدر مستمر للموارد، واستنزاف الميزانيات، وفساد مستدام تغذيه غياب أي آلية حقيقية للمحاسبة.
الساكنة رهينة بين طبقة سياسية فقدت شرعيتها الأخلاقية وإدارة ترابية تعمل بمنطق المسكنات، ووزارات وصية ترى في الرشيدية هامشًا يمكن تجاهله.
مؤشرات البطالة المرتفعة، التعليم المترهل، النسيج الاقتصادي الهش، والهجرة الشبابية نحو المدن الكبرى تؤكد أن المدينة تسير بخطى ثابتة نحو الهامشية المطلقة.
هذا الوضع لا يُعد مجرد عطب عابر، بل انهيارًا ممنهجًا تتحمل مسؤوليته الدولة لعدم فرض النموذج التنموي على التراب المحلي، ولعدم المساهمة الفعلية في تقليص الفوارق المجالية، ونخب سياسية جعلت من المدينة بقرة حلوب بلا مستقبل.
الخطر الأكبر ليس فقط في غياب التنمية، بل في انتشار ثقافة الرداءة والاستقالة؛ حيث يقتنع المواطن أن الحفر في الشوارع، والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، وغياب الاستثمار، هي أمور طبيعية ومقدّرة.
فحين تتحول الرداءة إلى ثقافة عامة، تصبح المدينة مقبرة حية للإبداع والفعالية، تنتج مواطنين فاقدي الأمل والإرادة، وهو أخطر من أي مؤشر اقتصادي أو اجتماعي.
الرشيدية بحاجة اليوم إلى سياسات جريئة ومشاريع تنموية حقيقية، إلى إدارة ترابية تستعيد الرؤية، وإلى نخب سياسية تتجاوز مصالحها الضيقة لتضع مصلحة المواطن في صلب عملها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد