القنيطرة: انقطاع الماء بجنانات بئر الرامي يفضح عطباً بنيوياً في تجربة الشركة المتعددة الخدمات بالجهة
هبة زووم – القنيطرة
مرة أخرى، تجد ساكنة القنيطرة نفسها أمام الوجه الحقيقي لتجربة الشركات الجهوية متعددة الخدمات؛ تجربة جرى تسويقها على أنها قاطرة للنجاعة، قبل أن تتحول على أرض الواقع إلى سلسلة من الأعطاب وقرارات مرتجلة وغياب تام للحكامة.
الانقطاع الشامل للماء الصالح للشرب عن أحياء جنانات بئر الرامي 1 إلى 5 منذ ليلة أول أمس ليس حادثاً عابراً، بل هو مؤشر صارخ على فشل مقاربة كاملة، يُفترض أنها جاءت لإصلاح أعطاب الماضي، فإذا بها تعيد إنتاجها بشكل أكثر فجاجة.
منذ تأسيس هذه الشركات، تم تقديمها للرأي العام على أنها الحل السحري لتجاوز بيروقراطية التدبير التقليدي، لكنها سرعان ما أصبحت نموذجاً مكرراً للفوضى: انقطاعات فجائية، أعطاب متواترة، غياب التواصل، وتعامل بارد مع حقوق أساسية للمواطنين.
ما وقع في جنانات بئر الرامي لا يليق بمؤسسة تدير مادة حيوية مثل الماء. فأن يجد مئات المواطنين أنفسهم أمام صنبور جاف دون سابق إنذار، في زمن تعتبر فيه المعلومة جزءاً من الخدمة، هو فضيحة تدبيرية بكل المقاييس.
الشركة بالقنيطرة أصدرت “إخباراً” مقتضباً على صفحتها في الفايسبوك، تتحدث فيه عن أشغال ربط قناة جديدة بقطر 400 ملم وعن “ظروف خارجة عن إرادة الشركة”.
لكن السؤال المركزي هو: هل أصبحت مادة الماء تُدار ببلاغات عابرة على مواقع التواصل؟ وما معنى “ظروف خارجة عن الإرادة” في مشروع يفترض أنه مبرمج ومدروس ومراقب؟ أليس من حق المواطن أن يعلم مسبقاً بموعد الانقطاع؟ أليس من واجب الشركة أن تخبر، وتخطط، وتستعد، بدل ترك الأسر تتخبط في الارتجال؟
تبرير الشركة بأن القناة القديمة المصنوعة من PVC تعرف “تسربات متكررة” يطرح علامة استفهام خطيرة: هل يعقل أن تحتاج أحياء عمرها لا يتجاوز عشر سنوات إلى تغيير جذري في الشبكة؟ وإن كانت القنوات فاسدة منذ البداية، فمن المسؤول؟ وهل نُفذت الأشغال بمعايير ناقصة؟ أم أن الرقابة كانت شكلية؟ أم أن الصفقات كانت أهم من الجودة؟
المفارقة أن أحياء أخرى بالقنيطرة، تعود تجهيزاتها إلى أكثر من نصف قرن، لم تُبرمج بعد للاستبدال، رغم هشاشتها الواضحة، فما هو معيار الشركة؟ الجودة؟ أم السهولة؟ أم اعتبارات أخرى غير معلنة؟
دفاتر التحملات واضحة: إشعار مسبق بأي انقطاع مبرمج، توفير صهاريج مائية في الحالات الطارئة، مع تنسيق مع السلطات المحلية كلما تعلق الأمر بخدمة حيوية، لكن لا شيء من هذا حدث، وكأن الشركة تعمل خارج القانون، أو فوقه.
الحق في الماء حق دستوري، والمساس به دون مبرر مقنع أو إجراءات مصاحبة ليس مجرد خلل تقني، بل اعتداء على الحق في الحياة اليومية للمواطنين.
اليوم، تكتفي الشركة بالتعهد بتعزيز الفرق التقنية وإنهاء الأشغال “في أقرب الآجال”، لكن المشكلة ليست في إنهاء الأشغال، بل في منهجية العمل.
وفي عدم احترام المواطن، وفي غياب محاسبة حقيقية لمؤسسات عمومية مُفوَّض لها تدبير ما هو حيوي وحساس، فالشركة اليوم مطالبة بتقديم توضيحات دقيقة، لا شعارات عامة: من يتحمل مسؤولية أعطاب الشبكة “الحديثة”؟ كيف صُمم المشروع؟ من راقب؟ ولماذا لم يتم إشعار الساكنة؟ وما هي الضمانات بأن هذا لن يتكرر في الأسابيع أو الأشهر المقبلة؟
إن ما وقع في جنانات بئر الرامي يعيد طرح السؤال الأكبر: هل تجربة الشركات المتعددة الخدمات فعلاً نموذج إصلاحي ناجح؟ أم أنها مجرد إعادة تدوير لنفس أعطاب الحكامة السابقة ولكن بلباس جديد؟
ما وقع ليس حادثة محلية، بل جرس إنذار يستدعي مراجعة شاملة لهذه التجربة على المستوى الوطني، قبل أن تصبح الأزمات عادة، والحقوق مجرد تفاصيل.