هبة زووم – شفشاون
لم يكن انهيار جزء من حائط المستشفى الإقليمي بشفشاون مجرد حادث عرضي ناتج عن تشققات إسمنتية، بل واقعة كاشفة لاختلال أعمق يطال البنية الصحية برمتها، مادياً ووظيفياً.
فالحائط الذي سقط هو نفسه الذي يرمز إلى واقع مرفق صحي يعيش على حافة الانهيار، في مدينة لا تطلب المستحيل، بل الحد الأدنى من الحق في العلاج.
الانهيار الجديد يعيد طرح أسئلة قديمة حول وضعية البنيات التحتية للمستشفيات الإقليمية، ومدى خضوعها للمراقبة والصيانة الدورية، خاصة في مناطق تعرف هشاشة مناخية وطبوغرافية، لكن الأخطر من التشققات الإسمنتية، هو التصدع العميق في ثقة المواطن في مؤسسة يفترض أن تكون ملاذه الأخير.
وفي خضم هذا الحدث، لم يجد الرأي العام المحلي سوى السخرية السوداء للتعبير عن غضبه، إذ علّق أحد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً: “ضروري يديرو ليه السكانير، وكنتمنى ما يعطيواهش موعد بعيد، ولا يصيفطوه لتطوان”.
تعليق ساخر، لكنه بالغ الدقة، يلخص سياسة صحية باتت مألوفة لساكنة الإقليم: مستشفى تحوّل، في نظر المواطنين، إلى مركز لتسجيل المرضى وتحويلهم نحو مستشفيات تطوان، بدل تشخيصهم وعلاجهم في عين المكان.
فالسكانير، والتحاليل، وحتى بعض الفحوصات الأساسية، أصبحت مرتبطة بسيناريو واحد: موعد بعيد، أو إحالة تلقائية.
السخرية هنا ليست ترفًا لغويًا، بل شكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي، حين يعجز الخطاب الرسمي عن الإقناع، وتعجز الإدارة عن الإصلاح.
فكيف لمستشفى يعاني من تشققات في جدرانه، أن يقنع المرضى بمتانة خدماته؟ وكيف لمرفق يفتقد للتجهيزات والموارد البشرية الكافية، أن يطمئن مواطنًا يقطع عشرات الكيلومترات بحثًا عن علاج؟
إن ما يحدث في مستشفى شفشاون لا يمكن عزله عن السياق الوطني لاختلالات المنظومة الصحية، حيث ترفع شعارات الإصلاح من جهة، بينما تستمر سياسة الترقيع والإحالة من جهة أخرى.
إصلاحات تُسوّق في البلاغات، لكنها لا تمنع انهيار الحيطان، ولا توقف نزيف المواعيد المؤجلة، ولا تنهي معاناة المرضى مع التنقل القسري بين المدن.
حادثة انهيار الحائط، بما تحمله من رمزية، تستدعي أكثر من لجنة تقنية أو بلاغ توضيحي. إنها تتطلب مساءلة حقيقية حول مصير الاعتمادات، وأولويات التدبير، ومآل وعود إصلاح المستشفيات الإقليمية، لأن المستشفى، حين يفقد جدرانه، قد يُرمَّم بالإسمنت لكن حين يفقد ثقة المواطنين، فذلك انهيار أصعب بكثير.
تعليقات الزوار