هبة زووم – أحمد الفيلالي
في قلب جماعة الهراويين، كل شيء يبدو مضبوطًا بدقة هندسية: طرقات عريضة، إسمنت لامع، إقامات سكنية أنيقة، ومحلات تُذكّرك بواجهات المدن التي تُستعمل في العروض التقديمية، صورة مثالية، صالحة للتصوير، قابلة للتسويق، ومطمئنة لأي زائر عابر.
لكن هذه الصورة، للأسف، لا تصمد طويلًا. يكفي أن تنحرف قليلًا عن المسار المعبد، أن تخرج من المجال الذي تعرفه الوفود وتلتقطه العدسات، حتى تجد نفسك في جغرافيا أخرى، غير معترف بها بصريًا، ولا حاضرة في الخطابات الرسمية: دواوير عشوائية، صفيح متراكم، وهامش يعيش خارج الحسابات.
هكذا تُدار الهراويين: وسطٌ يُعرَض وهوامش تُخفى، واجهة تُلمَّع وأطراف تُترك للزمن.
العشوائي هنا لم ينبت فجأة، ولم يسقط من السماء، ولم يظهر بين ليلة وضحاها. هو نتيجة سنوات من الصمت، من التساهل، من مراقبة الوضع كما يُراقَب خطر مؤجل، إلى أن صار المشهد محرجًا لا اجتماعيًا ولا إنسانيًا، بل بصريًا.
فالسلطة، التي راقبت تمدد الصفيح طيلة سنوات، لم تتحرك حين كان الفقر يتمدد أمام أعين الساكنة، بل تحركت حين بدأ يقترب من الصورة العامة، وحين صار من الصعب إخفاؤه عن الزائر وعن الكاميرا وعن اللحظة الوطنية الحساسة.
وهنا يطرح السؤال نفسه، دون حاجة إلى اتهام أو تهويل: لماذا لم يُكسر هذا الصمت إلا متأخرًا؟ ولماذا ظل العشوائي “مقبولًا” ما دام بعيدًا عن الواجهة؟
صحيح أن الحاجة دفعت بعض الأسر للبناء في ظروف قاسية، لكن الصحيح أيضًا أن هناك من سهّل، ومن غضّ الطرف، ومن اعتبر أن الصفيح مشكلة قابلة للتأجيل، أو ملفًا لا يستعجل التدخل ما دام لا يُحرج أحدًا.
والأخطر من ذلك، أن التدخل لم يكن بدافع حماية الساكنة، بل بدافع حماية الصورة. كأن الخلل لا يصبح خللًا إلا عندما يخرج إلى العلن، وكأن الفوضى لا تُقلق إلا حين تهدد الشكل لا الجوهر.
الهراويين اليوم لا تفضح فقط أزمة عشوائي، بل تفضح منطقًا تدبيريًا يعتبر أن ما لا يُرى لا يستحق الاستعجال، وأن الهامش يمكن دائمًا تأجيله، إلى أن يطرق الباب بقوة.
والنتيجة؟ مدينة بوجهين، وتدبير بعين واحدة، وصمت طويل تحوّل إلى سياسة أمر واقع.
تعليقات الزوار