هبة زووم – القنيطرة
أثار قرار المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالقنيطرة، القاضي بتأجيل امتحان مادة الرياضيات بمؤسسات “مدارس الريادة” الابتدائية، المزمع إجراءه يوم غد الأربعاء، موجة واسعة من الاستياء في صفوف الأساتذة والمتتبعين للشأن التربوي، بعد تبريره بـ”تسريب مواضيع الامتحان”، في واقعة اعتُبرت غير مسبوقة وتعكس ارتباكًا واضحًا في التدبير.
المديرية الإقليمية أعلنت القرار عبر إشعار مستعجل موجه إلى مديرات ومديري المؤسسات، جاء فيه أن امتحان الرياضيات المقرر اجتيازه صباح يوم غد قد تم تأجيله إلى ما بعد العطلة المدرسية المقبلة، بسبب تسريب مواضيعه، ويشمل القرار جميع مستويات التعليم الابتدائي داخل مؤسسات الريادة.
غير أن هذا التبرير لم يُقنع الجسم التربوي، بل زاد من حدة الغضب، حيث اعتبر عدد من الأساتذة أن ما وقع يكشف عبثًا إداريًا غير مبرر في التعامل مع امتحانات تخص مستويات أولية من التعليم الابتدائي، لا ترقى أصلا إلى امتحانات إشهادية أو مصيرية تستدعي كل هذا التشدد والارتباك.
“ضحك على الذقون” باسم الإصلاح
وصف أساتذة طريقة تدبير امتحانات مدارس الريادة بأنها “ضحك على الذقون”، متسائلين عن المنطق الذي يجعل امتحانات تلاميذ صغار تُدار وكأنها مباريات وطنية أو اختبارات مصيرية، في وقت تعاني فيه المنظومة التربوية من أعطاب أعمق تتطلب معالجة حقيقية لا قرارات ارتجالية.
وأكد متابعون للشأن التربوي أن هذا النموذج، منذ إطلاقه، لم ينجح في تقديم قيمة مضافة حقيقية للمدرسة العمومية، بل ساهم في إضعاف المستويات الإدراكية للتلاميذ، وأفرغ العملية التعليمية من بعدها الإبداعي، عبر تحويل الأستاذ إلى مجرد وسيط ينقل تعليمات ومعطيات جاهزة، دون هامش للاجتهاد أو التفاعل البيداغوجي.
برنامج مكلف.. وحصيلة صفرية
الأكثر إثارة للقلق، بحسب المنتقدين، هو الكلفة المالية المرتفعة التي رُصدت لبرنامج “مدارس الريادة”، مقابل نتائج وُصفت بالكارثية، فبدل تحسين التعلمات الأساسية، تم تسجيل تراجع في مهارات القراءة والكتابة والحساب، ما يطرح سؤال الجدوى الحقيقية من صرف ملايين الدراهم على نموذج يُضعف المردودية الإجمالية للتلميذ.
ويحذر أساتذة من أن الاستمرار في هذا النهج قد يقود إلى إضاعة جيل كامل، لا يتقن أساسيات التعلم، في حين يُترك التلاميذ المتفوقون لمصيرهم، دون برامج دعم حقيقية تحفز التميز.
من يحاسب؟
واقعة “تسريب امتحان الرياضيات” لم تعد مجرد حادث عرضي، بل تحولت إلى مؤشر خطير على غياب الحكامة، وضعف التخطيط، وارتجالية القرار داخل المديرية الإقليمية بالقنيطرة.
وهو ما يستدعي، بحسب الفاعلين التربويين، فتح نقاش جدي حول هذا النموذج، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بتبريرات تقنية لا تقنع أحدًا.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بالشعارات ولا بالتجارب المستنسخة، بل بقدرتها على الارتقاء بمستوى المتعلم، وصون كرامة الأستاذ، وضمان مدرسة عمومية ذات جودة، لا مختبرًا لتجارب فاشلة تُؤدى كلفتها من مستقبل الأطفال.
تعليقات الزوار