هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تكن السماء هذه المرة كريمة، بقدر ما كانت فاضحة، أمطرت لهراويين بغزارة، لا لتروي عطش الأرض، بل لتكشف عورات التدبير وسنوات من الإهمال المتراكم.
في ساعات قليلة، تحولت الشوارع إلى برك مائية، وغاص الإسفلت تحت الماء كما لو أنه لم يكن يومًا جزءًا من مدينة يفترض أنها تنتمي إلى العاصمة الاقتصادية للمملكة.
في ليلة الاثنين، وبينما كان السكان يستعدون لعطلة نهاية الأسبوع، باغتتهم الأمطار بما لم تباغتهم به الجهات المسؤولة منذ سنوات: سيول جارفة، ومشهد عبثي أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: كيف تغرق جماعة حضرية بهذه السهولة؟ وكيف تتحول أمطار موسمية معتادة إلى كارثة يومية متكررة؟
لم يكن الغرق نتيجة قوة التساقطات بقدر ما كان نتيجة هشاشة البنية التحتية. قنوات صرف غير قادرة على الاستيعاب، طرقات بلا تصريف، وأحياء تحولت إلى جزر معزولة، نساء يحملن أطفالهن وسط المياه، شيوخ يشقون طريقهم بعصيّهم، ومحلات تجارية ابتلعت السيول جزءًا من أرزاق أصحابها.
الصور القادمة من لهراويين لا تحتاج إلى تعليق، أحياء بكاملها محاصرة بالمياه، سيارات عالقة، وحركة سير مشلولة. مشاهد أقرب إلى أفلام الكوارث، لكنها هنا بلا مؤثرات، وبلا تدخل استباقي، وبلا مساءلة واضحة.
والمفارقة المؤلمة أن هذا السيناريو يتكرر كل سنة تقريبًا، تمطر السماء، تغرق الأرض، تصدر التصريحات نفسها: “أمطار استثنائية”، “تساقطات غير متوقعة”، ثم يُطوى الملف إلى حين غيمة جديدة، أما الحديث عن التخطيط، والصيانة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فيبقى مؤجلًا إلى إشعار غير معلوم.
وسط هذا المشهد الغارق، يبرز اسم عامل الإقليم بوصفه المسؤول الترابي الأول، لا ليقود تدبير الأزمة، بل ليجسّد مفارقة “الحاضر الغائب”.
فالعامل الشكاف، بحكم اختصاصاته القانونية، مطالب بتفعيل آليات المراقبة، والتنسيق الاستباقي، وتتبع جاهزية البنيات التحتية، لا الاكتفاء بالظهور بعد الكارثة أو ترك الجماعة تواجه الغرق وحدها.
غير أن ما وقع في لهراويين يطرح سؤالًا مشروعًا: أين كانت السلطة الترابية قبل أن تتحول الشوارع إلى أنهار؟ وأين كانت لجان اليقظة حين كانت قنوات الصرف تختنق منذ أولى القطرات؟
إن تكرار سيناريو الغرق يُسقط حجة “الأمطار الاستثنائية”، ويضع المسؤولية مباشرة في مربع التقصير في المراقبة والتتبع، فالعامل ليس مجرد موقع بروتوكولي، بل صمام أمان يفترض أن يمنع الانزلاق إلى الكارثة، وحين يغيب هذا الدور، يصبح الغرق نتيجة طبيعية، لا حادثًا عرضيًا.
إن لهراويين لم تغرق فقط لأن المطر كان غزيرًا، بل لأنها تُركت دون حراسة مؤسساتية حقيقية، ودون محاسبة واضحة للمقصرين، في مشهد يُعيد إنتاج الوعود نفسها ويؤجل الحلول ذاتها.
والسؤال الذي يطفو اليوم فوق المياه الراكدة ليس فقط عن دور الجماعة، بل عن موقع السلطة الترابية من هذا الواقع، وعن جدوى لجان اليقظة إذا كانت المدن لا تتحرك إلا بعد أن تغرق.
ما حدث في لهراويين ليس حادثًا معزولًا، بل مرآة لوضع أوسع، مدن كثيرة لا تنتظر سوى سحابة مثقلة بالمطر، حتى تنكشف حقيقتها كاملة أمام المواطنين، فإلى متى سيظل الغرق مناسبة موسمية للتصريحات، بدل أن يكون جرس إنذار لإصلاح جذري طال انتظاره؟
تعليقات الزوار