عبدالعالي حسون
إدريس البصري لم يكن وزيرًا عاديًا. كان أشبه بمفصل مركزي في جسد النظام المغربي خلال حقبة حساسة امتدت على ما يقارب ربع قرن.
فقد أمسك بمفاتيح الدولة الأمنية والإدارية والإعلامية، بل وحتى الحزبية في بعض الأحيان. لا تُذكر وزارة الداخلية في المغرب الحديث دون أن يَحضُر اسمه بوصفه رمزًا للقبضة الحديدية، لكنه أيضًا كان رجل “التوافقات الخفية”، يجلس مع المعارضين في الليل بعد أن يقرّر مصيرهم في النهار.
في بيته، دارت حوارات مصيرية. هناك وُزِّعت مناصب، واحتُويَت أزمات، وتمّت المصالحات والمقايضات، ومع ذلك، لم يكن أحد يتجرأ على مساءلته أو معارضته علنًا.
كان البصري مدرسة في فن التحكم، وإدارة التناقضات، وتوزيع الولاءات، ولأنه كان بهذه المكانة، ظنّ أن شبكة العلاقات التي نسجها ستحميه إلى الأبد، لكن خاب الظن.
لقد تشكّلت، في تلك الحقبة، منظومة من العلاقات المعقدة، حيث كانت المصالح تتقاطع، والمواقع تُبنى، والمسارات المهنية تصعد أو تهبط بلمسة أو إشارة.
كثيرون استفادوا من هذه “الهالة السلطوية”، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات ممتدة، وكانت الصحافة أحد أبرز المجالات التي شهدت مظاهر هذا الارتباط.
فقد وُجد من جعل من قربه من الرجل ضمانة للاستمرار، أو جواز عبور في زمن، كانت فيه الحدود بين الإعلام والسلطة أكثر ضبابية.
لكن المدهش “وربما المتوقَّع في سياق تحولات كبرى” أن منْ كانوا الأكثر قربًا صاروا الأكثر ابتعادًا بعد سقوط الرجل من موقعه في نهاية التسعينيات.
فعندما طُويت صفحة البصري مهنيًا، بدا المشهد كما لو أن قاطرة كاملة غيّرت اتجاهها بين ليلة وضحاها، أولئك الذين كانوا يلوحون باسمه في الكواليس، ويستمدون منه القوة، وجدوا أنفسهم فجأة يبحثون عن ركيزة جديدة، مرجعية جديدة، “ظلٍّ” جديد يضمن لهم الاستمرار داخل اللعبة.
عاشت مدينة سطات أزهى فتراتها التاريخية حين كان البصري وزيرا للداخلية، ونالت المدينة اعترافا وطنيا ودوليا بفضل الراحل، حيث وضع المنتخبون في المدينة مقتطفا من جريدة “لوموند ديبلوماتيك” في لوحة وعلقوه بمدخل بلدية سطات، يتحدث فيها كاتب مشهور عن المدينة في الصفحة السابعة لعدد شهر شتنبر من سنة 1994، قائلا: “أصبحت سطات مدينة عصرية وديناميكية في المغرب، بعد أن كانت قبل عشر سنوات مجالا قرويا بامتياز”.
وبعد رحيل البصري، نالت المدينة قسطا وافرا من التهميش والإقصاء، عصف بآمال كل من آمن بالسكن والاستقرار في عاصمة الشاوية، ولم يكن يعلم أبناء مدينة سطات والنازحون إليها أن تاريخ المدينة قد يتعرض يوما ما إلى محاولة الإقبار، ولم يخطر على بالهم أن المسؤولين الحاليين يحاولون قدر الإمكان طي صفحة ماضي المدينة القريب الذي ارتبط بوزير الداخلية الأسبق، إذ ترك كل المسؤولين المتعاقبين المدينة تتعرض للإهمال، فيما كانت إلى وقت قريب تستقبلك بالماء والخضرة والوجه الحسن من جهة الشمال، حيث بحيرة وفندق وحلبة لسباق الخيل وملعب للغولف وجامعة بكليات ومعاهد متعددة الاختصاصات ونافورة بمياه متدفقة… وتودّعك، جنوبا، بسوقها العامر ووحداتها الصناعية.
من دون النخب المثقفة، فشرائح عديدة يخال إليها أن إدريس البصري الذي كان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني يشكل أقرب شخص له، أنه ذو مستوى تعليمي متواضع، بينما واقع الأمر يؤكد أن له عدة شواهد جامعية عليا، وخلف عدة مؤلفات، وعمل أستاذا مساعدا في الجامعة.
فمن دون الحديث عن المهام العديدة التي تقلدها إدريس البصري على امتداد مسؤولياته كرجل دولة في حقبة تاريخية هامة، فإننا سنتوقف عند الجانب التعليمي والثقافي له.
فمن حصول إدريس البصري على شهادة الباكالوريا، حصل فيما بعد على دكتوراه السلك الثالث، ثم نال فيما بعد دكتوراه الدولة في القانون العام بجامعة كرونوبل بفرنسا وذلك سنة 1987، وتحمل مسؤولية التدريس بالجامعة كأستاذ مساعد، ومن بين الجامعات التي درس بها، جامعة الحسن الأول بسطات، فضلا عن تدريسه بجامعة محمد الخامس بالرباط.
وعلى واجهة المؤلفات التي تركها إدريس البصري، فهي محددة في خمس مؤلفات وهي كالتالي: رجل السلطة، الإدارة الترابية بالمغرب: النظام والتنمية، الإدارة الترابية: التجربة المغربية، النزاعات الإدارية في البلدان المغاربية، اللامركزية في المغرب: من الجماعة إلى الجهة.
من ثانوية بنعباد بسطات إلى جامعة الرباط وغرونوبل، إلى الوظيفة في مديرية الأمن الوطني، إلى الاستوزار سنة 1979 في أم الوزارات، هكذا اختصر الرجل المسافات في طريق السلطة، وأصبح رجل القرار في القضايا الأمنية التي تهم البلاد، بل والتي تهم العلاقات السياسية بين الدولة والأحزاب والدولة وباقي الدول.
وفي مثل هذا اليوم 13 شعبان من سنة 2007 توفي وزير الداخلية والإعلام الأسبق المرحوم إدريس البصري، اللهم ارحمه واغفر له و ارحم جميع الأموات في هذه الأيام المباركة يارب العالمين.
تعليقات الزوار