السردين بـ50 درهمًا: حين تفشل سياسات الصيد البحري في حماية موائد المغاربة

هبة زووم – الرباط
لم يعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية يقتصر على اللحوم أو الخضر والفواكه، بل امتد ليطال أحد أكثر الرموز التصاقًا بالموائد الشعبية المغربية: سمك السردين.
فحين يصل ثمن الكيلوغرام الواحد إلى ما بين 40 و50 درهمًا، فإن الأمر لا يتعلق بخلل ظرفي، بل بمؤشر خطير على فشل منظومة كاملة يفترض أنها وُجدت لحماية الأمن الغذائي للمواطنين.
هذا القلق عبّرت عنه بوضوح سلوى البردعي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، التي دقّت ناقوس الخطر داخل البرلمان، مستندة إلى تحذيرات المرصد المغربي لحماية المستهلك، ومشاعر الغضب المتنامية وسط فئات واسعة من المواطنين.
فالسردين، الذي لطالما شكّل مصدر بروتين أساسي للأسر ذات الدخل المحدود، تحوّل فجأة إلى منتوج شبه “فاخر”، خارج متناول من يفترض أن يكونوا أول المستفيدين منه.
المفارقة الصارخة أن هذا الارتفاع المهول يحدث في بلد يملك واحدة من أغنى السواحل السمكية في المنطقة، ويُصدّر كميات ضخمة من الأسماك إلى الخارج، بينما يعجز المواطن البسيط عن اقتناء الحد الأدنى منها.
وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول من يستفيد فعليًا من الثروة البحرية الوطنية؟ وهل سياسات الصيد البحري وُضعت لخدمة المواطن أم لخدمة شبكات المصالح والوساطة؟
البرلمانية لم تُخفِ استغرابها من هذا التناقض الفجّ بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات العدالة الغذائية، والواقع الذي يكشف عن تآكل متسارع للقدرة الشرائية.
فارتفاع أسعار السردين لا يمكن فصله عن اختلالات بنيوية في سلاسل التسويق، حيث تتكاثر حلقات الوساطة، وتنتشر المضاربة، ويغيب التتبع الصارم لمسار المنتوج من الميناء إلى المستهلك.
الأمر لا يقف عند حدود السوق، بل يطال ضعف آليات المراقبة، وغياب تدخل فعّال للسلطات المعنية لضبط الأسعار، وترك المجال مفتوحًا أمام الاحتكار غير المعلن، والنتيجة: مواطن يدفع ثمن فوضى تنظيمية، وقطاع حيوي يُدار بمنطق الربح السريع لا بمنطق المصلحة العامة.
إن السؤال الذي طرحته البردعي داخل قبة البرلمان يتجاوز الإطار التقني، ليصيب جوهر السياسات العمومية: ما هي الإجراءات الاستعجالية التي ستتخذها الوزارة، بتنسيق مع القطاعات المعنية، لمحاربة المضاربة، وتنظيم مسالك التوزيع، وضمان توجيه جزء كافٍ من الإنتاج الوطني للسوق الداخلية؟ أم أن المواطن سيظل الحلقة الأضعف في معادلة تُدار خارج منطق الحكامة والعدالة الاجتماعية؟
في ظل الغلاء المعيشي المتواصل، لم يعد مقبولًا أن يُترك “سمك الفقراء” رهينة لتلاعب الوسطاء، ولا أن تتحول الثروة البحرية إلى امتياز لفئة محدودة، فالأمن الغذائي ليس شعارًا سياسيا، بل حق دستوري، وأي إخلال به هو إخلال مباشر بعقد الثقة بين المواطن والمؤسسات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد