حلم ربط الحسيمة بالعالم يتأجل والتهميش يلاحق مطار الشريف الإدريسي رغم التوسعات

حدو أخشيش – الحسيمة
مسلسل التهميش الذي يطال مطار الشريف الإدريسي الدولي بالحسيمة لم يتوقف لحظة، بل يبدو أنه يتسارع مع كل موسم صيفي جديد، في وقت تشهد فيه المملكة المغربية طفرة غير مسبوقة في قطاع النقل الجوي، وتعزز فيه جميع مطارات المملكة خطوط إضافية لاستيعاب الطلب المتزايد من المغاربة المقيمين بالخارج والسياح الأجانب.
فبينما تُعلن الخطوط الملكية المغربية، والمكتب الوطني للسياحة، والمجلس الجهوي، عن برامج طموحة لربط المدن المغربية بالعواصم الأوروبية والعربية، يبقى مطار الحسيمة استثناءً مؤلماً في هذه المعادلة، وكأنه مُدرج على “قائمة سوداء” غير معلنة، رغم الاستثمارات الضخمة التي ضخت فيه، ورغم الحاجة الماسة لسكان الريف وجاليته الواسعة في الخارج لربط مدينتهم بالعالم.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن مطار الشريف الإدريسي شهد في السنوات الأخيرة عمليات توسعة كبرى، بكلفة إجمالية بلغت حوالي 262.5 مليون درهم، مكنت من توسيع موقف الطائرات ليستوعب 9 طائرات بدلاً من 4 فقط، كما تم بناء برج مراقبة جديد بميزانية تفوق 3.8 مليار سنتيم، في إطار برنامج وطني لتحديث البنية التحتية للمطارات المغربية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا استفاد مسافر الحسيمة من هذه الملايين؟ الجواب مُرّ ومختصر: لا شيء يذكر. فمع كل هذه الاستثمارات، لم يُضف إلى مطار الحسيمة ولو خط جوي واحد جديد.
فما زال المطار يعتمد على خطوطه القديمة التي أنشئت منذ سنوات: خطان نحو هولندا وبلجيكا، وخط داخلي وحيد يربطه بمطار طنجة، هنا يطرح التناقض نفسه: كيف يُعقل أن تُضخ مئات الملايين لتوسعة مطار، بينما تظل حركة الطيران فيه “مجمدة” في نفس الدوائر الضيقة؟
وفي كل موسم صيفي، تشهد المملكة المغربية حركة سفر مكثفة، حيث يفضل ملايين المغاربة المقيمين بالخارج العودة إلى أرض الوطن عبر الجو، بحثاً عن الراحة واختصار الزمن.
واستجابةً لهذا الطلب، تعزز جميع المطارات المغربية بخطوط إضافية داخلية ودولية، مما يُنعش القطاع السياحي ويُحرك العجلة الاقتصادية. لكن الحسيمة تبقى خارج هذه الدينامية.
فسكان الريف، الذين يتوزع أبناؤهم على دول عديدة مثل إسبانيا وفرنسا وألمانيا، يُجبرون على سلوك مسارات طويلة ومكلفة للوصول إلى مدينتهم: إما الهبوط في مطار طنجة أو مطار وجدة، ثم قطع مئات الكيلومترات براً، في رحلة شاقة تثقل كاهل المسافر مادياً ومعنوياً.
والأكثر إيلاماً، أن الخطوط الملكية المغربية، الشركة الوطنية الناقلة، تُعلن بين الحين والآخر عن إطلاق رحلات جديدة بين المغرب وإسبانيا ودول أوروبية أخرى، لكن اسم الحسيمة يغيب دائماً عن هذه القوائم، وكأن المدينة وأهلها “خارج حسابات” الشركة الوطنية.
ولا يقف التهميش عند حدود شركة الطيران الوطنية، بل يبدو أنه جزء من سياسة أوسع تُمارس ضد الحسيمة على أكثر من مستوى، فالمكتب الوطني للسياحة، المسؤول عن الترويج للمملكة كوجهة عالمية، يُركز حملاته على مطارات الدار البيضاء ومراكش وأغادير وطنجة، بينما يغيب الحسيمة عن الخرائط السياحية الجوية، رغم ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية وتاريخية وثقافية فريدة.
كما يُتهم المجلس الجهوي لجهة طنجة تطوان الحسيمة باتباع سياسة “المركز” على حساب “الأطراف”، حيث تُوجه معظم الاستثمارات والبرامج التنموية نحو مدينة طنجة، عاصمة الجهة، بينما تُترك مدن مثل الحسيمة وتطوان والناظور في هامش الاهتمام.
وهذا المنطق لا يُخدم التنمية المتوازنة التي تدعو إليها التوجيهات الملكية، بل يُعمق الفوارق المجالية ويُغذي مشاعر الإقصاء لدى الساكنة.
أما على مستوى الخطوط الجوية الداخلية، فالوضعية في مطار الحسيمة لا تقل مأساوية. فباستثناء خطي طنجة وتطوان، بمعدل ثلاث رحلات أسبوعية فقط، لا يوجد أي ربط جوي منتظم بين الحسيمة وبقية المدن المغربية الكبرى مثل الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش أو حتى العيون والداخلة في الأقاليم الجنوبية، التي تربطها بالحسيمة جذور تاريخية وإنسانية عميقة.
هذا الفراغ في الربط الجوي الداخلي لا يُعيق فقط تنقل السكان، بل يُقوض أيضاً فرص الاستثمار والسياحة الداخلية، ويمنع الحسيمة من الاندماج الفعلي في النسيج الاقتصادي الوطني، فكيف يُتوقع من رجل أعمال أو سائح أن يختار الحسيمة كوجهة، وهو يعلم أن العودة ستكون رحلة شاقة عبر الطرق البرية؟
وفي النهاية، لم يعد صمت المسؤولين إزاء وضعية مطار الحسيمة مقبولاً. فالمدينة وأهلها لا يطلبون امتيازات، بل يطالبون فقط بالعدالة المجالية وبالمعاملة نفسها التي تحظى بها بقية المدن المغربية.
فإذا كانت الدولة جادة في سياستها التنموية القائمة على الجهوية المتوازنة، فلا بد من إلزام الخطوط الملكية المغربية بإدراج مطار الحسيمة في برامجها للتوسع الداخلي والدولي، أسوة ببقية المطارات، وإشراك المكتب الوطني للسياحة في الترويج للحسيمة كوجهة جوية، وليس استثناءها من الحملات الوطنية، ومراجعة المجلس الجهوي لأولوياته، لضمان توزيع عادل للاستثمارات بين مدن الجهة، وربط الحسيمة جواً بجميع العواصم الجهوية، بما فيها مدن الأقاليم الجنوبية، انسجاماً مع الوحدة الترابية والجذور التاريخية المشتركة.
مطار الشريف الإدريسي ليس مجرد بنية تحتية، بل هو شريان حياة للحسيمة والريف. فإما أن نُعيد له دوره كبوابة على العالم، وإما أن نعترف بأننا نهدر ملايين الدراهم في مشاريع شكلية لا تخدم المواطن.
والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الإرادة لقطع مسلسل التهميش، ولقول كلمة الحق في وجه سياسات الإقصاء. فالحسيمة تستحق أكثر من الصمت، وأهلها يستحقون أكثر من الوعود.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد