الرشيدية تحت “الوصاية العائلية”: السياسة تنسحب والأعيان يتقدمون والتنمية ضحية سكوت سلطات الوصاية

هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد مقلق يُعيد إنتاج أنماط تدبير ما قبل الحداثة السياسية، تشهد مدينة الرشيدية تحولات جذرية في المشهد السياسي المحلي، حيث بدأت الهيئات السياسية تتراجع أمام قوة العائلات التقليدية، في تحول يُهدد ليس فقط مبادئ الديمقراطية التمثيلية، بل أيضاً آمال التنمية التي ينتظرها المواطنون بفارغ الصبر.
لم يعد الأمر يتعلق بتبادل السلطة بين الأحزاب السياسية عبر صناديق الاقتراع، بل بوجود “أعيان” يسيطرون على مقاليد الأمور، في مشهد يُعيد إنتاج منطق “الزعامة المحلية” على حساب “المشروع السياسي”، والنتيجة حتمية: تنمية تبتعد عن طموحات المواطنين، ومصالح خاصة تُقدّم على المصلحة العامة.
الأحزاب تتراجع.. والعائلات تتقدم
في هذه المرحلة، تغيب الأحزاب السياسية عن الواجهة السياسية للرشيدية، ليتحول الاهتمام بالشأن العام إلى مصلحة شخصية لفئة معينة من الأعيان التي تتحكم في قرارات المنطقة.
هذا التحول ليس مجرد “تغير في التحالفات”، بل هو تآكل لمبدأ التمثيل الديمقراطي الذي يفترض أن يكون المواطن هو مصدر الشرعية، وليس النسب العائلي أو النفوذ التقليدي.
فحين تُصبح السياسة “ميراثاً عائلياً” بدلاً من أن تكون “مسؤولية انتخابية”، فإننا لا نتحدث عن “استقرار محلي”، بل عن احتكار للسلطة يُقصي الكفاءات ويُهمش الشباب ويُفرغ الانتخابات من مضمونها، والسؤال الذي يفرض نفسه: أين هي البرامج الانتخابية؟ وأين هي المشاريع التنموية التي وُعد بها المواطنون؟
الريصاني وأرفوذ: نموذجان لـ”حكم العائلات”
من بين أبرز العائلات التي تُهيمن على الشأن السياسي في الرشيدية، تبرز عائلتا الريصاني وأرفود كأمثلة صارخة لهذه الظاهرة، فقد باتت هذه العائلات تحكم المنطقة، مستفيدة من الفراغ السياسي الناجم عن تراجع الأحزاب وغياب المشاركة السياسية الفاعلة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: كيف سُمح لهذا التحول بالحدوث؟ هل عجزت الأحزاب عن بناء قواعد شعبية حقيقية؟ هل استسهلت “التحالفات مع الأعيان” على حساب “بناء المشاريع”؟ وهل قبلت “التمثيل الشكلي” بدلاً من “التمثيل الفعلي” للمواطنين؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد “نقد حزبي”، بل هي مساءلة لمصير الديمقراطية المحلية في جهة استراتيجية كجهة درعة تافيلالت.
المصلحة الخاصة تُقصي المصلحة العامة
مع غياب الأحزاب عن الساحة السياسية، يستمر غياب التنمية في العديد من المجالات، إذ تغيب المشاريع التنموية الحقيقية لصالح مشاريع تقتصر على مصالح محدودة تخدم الفئة المهيمنة على السلطة.
فبدلاً من خدمة المصلحة العامة، نجد خدمة المصالح العائلية، وبدلاً من مشاريع تنموية شاملة، نجد مشاريع انتقائية محدودة، وبدلاً من تخطيط مستدام، نجد تدبيراً ظرفياً انتفاعياً، وبدلاً من مشاركة مواطنية واسعة، نجد احتكاراً لقرارات ضيق.
هذا التناقض الصارخ يطرح إشكالية عميقة: كيف يُتوقع من “حاكم بالميراث” أن يُفكر في “تنمية بالمشاركة”؟ وكيف يُنتظر من من يسيطر على السلطة عبر النسب والعائلة أن يُقدّم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة؟
التنمية غائبة: حين تُصبح المشاريع “امتيازاً” لا “حقاً”
تبتعد السياسة في الرشيدية عن التخطيط المستدام والشامل الذي يفترض أن يخدم جميع المواطنين، فبدلاً من مشاريع البنية التحتية التي تُحسّن حياة السكان، نجد مشاريع تخدم “دوائر النفوذ”، وبدلاً من الاستثمار في التعليم والصحة، نجد الاستثمار في “تعزيز الولاءات”.
والضحية؟ المواطن العادي الذي ينتظر طريقاً معبداً، ماءً صالحاً للشرب، مدرسة لائقة، ومستوصفاً قريباً، فيجد نفسه أمام وعود انتخابية تتبخر بمجرد انتهاء الحملة.
فحين تتحول التنمية إلى “امتياز” يُمنح للموالين، وتُحرم منها الأغلبية، فإننا لا نتحدث عن “تدبير محلي”، بل عن إقصاء ممنهج يُعمق الفوارق ويُغذي الاحتقان الاجتماعي.
من يتحمل المسؤولية؟
في ظل هذه الوضعية، تتوزع المسؤوليات على أكثر من مستوى. فالأحزاب السياسية مُطالبة ببناء مشاريع وتمثيل المواطنين، والسؤال: لماذا تفرغت من الرشيدية؟ والمنتخبون المحليون مُكلفون بخدمة المصلحة العامة، والسؤال: لماذا يُقدّمون المصالح العائلية؟ والسلطة الترابية مسؤولة عن ضمان نزاهة التدبير المحلي، والسؤال: أين الرقابة على “احتكار النفوذ”؟ والمجتمع المدني مُطالب بالمحاسبة والرقابة المواطنية، والسؤال: لماذا الصمت أمام “تحول الحكم”؟
هذا التوزيع لا يُعفي أي طرف من مسؤوليته. فحين يتحمل الجميع المسؤولية، لا يتحملها أحد فعلياً.
إما ديمقراطية حقيقية.. وإما استمرار “حكم العائلات”
في النهاية، يطرح العديد من المواطنين تساؤلات حول مستقبل المنطقة: هل ستعود الأحزاب السياسية لممارسة دورها في تعزيز الديمقراطية وإرساء التنمية الحقيقية؟ أم سيستمر هذا التراجع لصالح مصلحة فئة معينة ستظل في الواجهة بينما سيبقى الآخرون في الظلال؟
هذا التغيير يفرض ضرورة إعادة النظر في المشهد السياسي المحلي وإعادة إحياء العمل السياسي الجاد الذي يخدم مصلحة الجميع، فإذا كانت الأحزاب جادة في استعادة دورها، فلا بد من بناء قواعد شعبية حقيقية تعتمد على المشاريع لا على التحالفات العائلية، وإشراك الشباب والكفاءات في صنع القرار الحزبي والمحلي، وتعزيز الشفافية والمحاسبة في تدبير الشأن المحلي، ودعم المجتمع المدني كرقابة موازية على السلطة، واستعادة الثقة مع المواطنين عبر إنجازات ملموسة لا وعود فارغة.
مواطن الرشيدية لا يحتاج إلى “زعيم عائلي” يمثله، بل يحتاج إلى حزب بمشروع، ومنتخب بمسؤولية، وتنمية بحق، فإما عودة للسياسة كخدمة عامة، وإما استمرار لـ”حكم العائلات” الذي يُكرس التخلف ويُقصي الأمل.
والخيار اليوم، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لسياسة المصالح الضيقة وكفى لتوريث المناصب وتمرير المقاعد من الآباء إلى الأبناء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد