دفن الموتى أم فرض الأمر الواقع؟ صراع تغنبوت وآيت عبد الصمد يكشف هشاشة تدبير الأراضي السلالية بالرشيدية

هبة زووم – الرشيدية
لم يعد النزاع القائم بين قبيلتي تغنبوت وآيت عبد الصمد مجرد خلاف عابر حول دفن امرأة، كما تحاول بعض الأطراف الترويج له، بل تحول إلى ملف قبلي وعقاري شديد الحساسية يكشف حجم الأعطاب التي تعيشها منظومة تدبير الأراضي السلالية، ويفضح في الآن نفسه خطورة اللعب بورقة الدين والبعد الإنساني لفرض أمر واقع فوق أرض متنازع عليها.
فالحديث عن “عرقلة دفن سيدة” يبدو، بالنسبة لكثير من المتابعين، مجرد عنوان عاطفي لتغطية أصل المشكل الحقيقي، حسب ما تؤكده مصادر محلية لهبة زووم، والمرتبط بمحاولة استغلال أرض سلالية تابعة لقبيلة تغنبوت من أجل إنشاء مقبرة جديدة، رغم توفر الطرف الآخر على مقبرة قائمة وإمكانية توسيعها أو البحث عن بدائل عقارية داخل مجالها الترابي دون التعدي على حقوق الغير.
المثير في هذا الملف أن جوهر النزاع العقاري جرى دفعه عمداً إلى الخلف، مقابل تسويق رواية إنسانية تبسيطية تُصور الأمر وكأنه صراع ضد دفن الموتى، بينما الوقائع على الأرض تكشف أن الأمر يتعلق أساساً بمحاولة فرض واقع جديد فوق عقار متنازع عليه، مستغلين حساسية موضوع الموت والدفن لإحراج الطرف الآخر والضغط على السلطات.
قبيلة تغنبوت، بحسب معطيات الملف، لم تلجأ إلى التصعيد أو المواجهة، بل سلكت منذ البداية المساطر القانونية والمؤسساتية، عبر إشعار السلطات المحلية وتقديم شكايات للجهات المختصة، مطالبة بوقف أي استغلال للأرض إلى حين الحسم القانوني في وضعيتها العقارية.
غير أن الملف عرف اختلالات خطيرة، من بينها تغييب حقيقة النزاع عن بعض محاضر المعاينات الإدارية، وعدم إشراك ممثلي الجماعات السلالية بالشكل المطلوب، فضلاً عن محاولة تمرير الأمر وكأن العقار خالٍ من أي نزاع أو اعتراض.
الأخطر من ذلك، أن بعض العائلات أقدمت لاحقاً على دفن موتاها فوق الأرض موضوع النزاع، رغم أنها لا تتوفر على صفة قانونية كمقبرة، ودون أي سند قضائي أو إداري نهائي، في خطوة اعتبرها متابعون محاولة واضحة لتكريس سياسة “فرض الأمر الواقع” واستعمال حرمة الموتى كوسيلة للتمدد العقاري والضغط الاجتماعي.
وفي مقابل هذا الوضع، برز تخوف حقيقي داخل المنطقة من تحول الملف إلى شرارة صراع قبلي مفتوح، خاصة مع تصاعد الخطاب القبلي وتزايد الاحتقان بين الطرفين، في ظل هشاشة المقاربات المعتمدة لمعالجة مثل هذه النزاعات ذات الطبيعة الحساسة.
ويرى متابعون أن أي مقاربة أمنية ضيقة أو أي انحياز غير محسوب قد يدفع بالأوضاع نحو سيناريوهات خطيرة يصعب التحكم فيها، خصوصاً بمنطقة ما تزال الأعراف القبلية تشكل فيها عنصراً أساسياً في تدبير العلاقات الاجتماعية والعقارية.
وفي خضم هذا التوتر، استقبل والي جهة درعة تافيلالت ممثلي الجماعة السلالية لقبيلة تغنبوت وبعض أعيانها يوم 22 ماي 2026، في لقاء وصفته مصادر محلية بالإيجابي، بعدما جرى التأكيد على ضرورة وقف أي تجاوزات وإعادة الملف إلى سكته القانونية بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع.
غير أن كثيراً من الأصوات المحلية تعتبر أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من التسويف، وأن المطلوب اليوم هو تدخل حازم وعادل يضع حداً لهذا النزاع وفق القانون واحترام الحقوق التاريخية للأراضي السلالية، قبل أن يتحول الخلاف حول “مقبرة” إلى فتيل أزمة قبلية مفتوحة العواقب.
فالمنطقة ليست في حاجة إلى تأجيج العواطف أو استغلال المآسي الإنسانية لتصفية الحسابات العقارية، بل إلى حكمة العقلاء، وصرامة القانون، وإرادة حقيقية لحماية السلم الاجتماعي من الانزلاق نحو المجهول.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد