طنجة: 7 ملايين درهم تشعل مواجهة ساخنة بين العدالة والتنمية والعمدة الليموري والملف على مكتب الوالي التازي

هبة زووم – محمد خطاري
في مدينة طنجة، عروس الشمال ورمز الانفتاح، لم يعد الصراع السياسي مجرد “سجال كلامي” داخل قاعة المجلس، بل تحول إلى معركة قانونية تضع مفاهيم الحكامة والشفافية على المحك. فبعدما وجه فريق العدالة والتنمية “المصباح” ضربة استباقية لعمدة المدينة عبر مراسلة رسمية إلى والي الجهة يونس التازي، أصبح السؤال المطروح ليس “من سيفوز؟” بل “أي نموذج للتدبير نريد لمدينتنا؟”.
وتعود تفاصيل الملف إلى مصادقة مجلس جماعة طنجة، خلال دورة فبراير الأخيرة، على اتفاقية شراكة مع الجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات، بهدف تنظيم المؤتمر العالمي الثامن للمنظمة العالمية للمدن والحكومات المحلية المتحدة. الاتفاقية التي تبدو للوهلة الأولى “مشروعاً دولياً طموحاً”، تخفي في طياتها إشكالية قانونية وأخلاقية كبرى: التزام الجماعة بدفع غلاف مالي ضخم يقدر بـ 7 ملايين درهم (700 مليون سنتيم) لفائدة جمعية يرأسها… العمدة نفسه!
هنا يكمن “لغز تنازع المصالح” الذي كشفه فريق “البيجيدي” بجرأة. فكيف يُعقل أن يقرر رئيس الجماعة ضخ أموال عمومية في حساب جمعية هو على رأسها؟ وأي ضمانات للشفافية حين يجلس المستفيد والمُقرر على نفس الكرسي؟
لم يكتفِ رفاق أحمد بروحو، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس طنجة، بالاحتجاج داخل القاعة، بل انتقلوا إلى تفعيل المسطرة القانونية بدقة محامٍ خبير، مستندين إلى المادة 65 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، التي تحظر صراحة على الرئيس المشاركة في أي مداولات أو قرارات توجد له فيها مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة، حيث أكد الفريق أن العمدة وجد نفسه في حالة “تنازع مصالح صريحة” تجعل من ضخ الأموال العمومية في حساب الجمعية مخالفة قانونية “لا غبار عليها”.
الأخطر من ذلك، أن الفريق المعارض استند إلى المادة 118 من نفس القانون، التي تجعل المقررات ذات الوقع المالي غير قابلة للتنفيذ إلا بعد الحصول على “الضوء الأخضر” من سلطة الوصاية. وبهذا، وضع الفريق الكرة في ملعب الوالي يونس التازي، مطالباً إياه بـ”الفيتو” ضد مقرر يرونه مجافياً لمبادئ الحكامة الجيدة.
وتضع هذه المراسلة والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أمام اختبار دقيق. فمن ناحية، هناك ضغط سياسي داخلي ومطلب قانوني واضح بمراجعة مقرر مشبوه. ومن ناحية أخرى، هناك “حساسية” التعامل مع قرار اتخذ بأغلبية مجلس منتخب.
لكن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن دور الوالي ليس “التأشير الآلي” على المقررات، بل “حراسة القانون” وضمان احترام مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير المال العام.
فإذا كان الدستور المغربي يكرس مبدأ “تضارب المصالح” كسبب من أسباب التنافي ومنع الجمع بين المهام، وإذا كانت القوانين التنظيمية للجماعات تحظر صراحة استفادة الرئيس من قرارات يتخذها، فإن أي تساهل في هذا الملف لن يُفهم إلا كـ”تغطية” لممارسة مشبوهة.
ما يحدث في طنجة ليس مجرد “خلاف سياسي عابر”، بل هو نموذج مصغر لأزمة أعمق تعيشها العديد من الجماعات الترابية: غياب الرقابة الذاتية، وتداخل المصالح، واستغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية.
المواطن الطنجاوي لا يهتم بـ”من يربح” في هذه المعركة، بل يهتم بـ”أين تذهب أمواله”، فـ7 ملايين درهم ليست “فكّة”، بل هي ميزانية يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً في حي شعبي، أو تُصلح مدرسة، أو تدعم مشروعاً تنموياً يمس حياة الناس مباشرة.
وصرف هذا المبلغ لفائدة جمعية يرأسها العمدة نفسه، دون ضمانات شفافية صارمة، هو رسالة خطيرة تُفهم على أن المال العام أصبح “غنيمة” يُتصرف فيها بحرية.
لم يعد مقبولاً في المغرب اليوم أن تمرر قرارات مالية ضخمة تحت غطاء “الأغلبية” و”الشرعية الانتخابية”، بينما تخرق أبسط مبادئ النزاهة. فريق “المصباح” بطنجة، بغض النظر عن خلفياته السياسية، وضع إصبعه على جرح حقيقي: جرح “تنازع المصالح” الذي ينخر مصداقية التدبير المحلي.
الكرة الآن في ملعب والي الجهة، فإذا اختار “التأشير” على المقرر دون تمحيص، فإنه يتحمل مسؤولية تاريخية عن كل سنتيم يُصرف في إطار اتفاقية مشبوهة، وإذا اختار “الفيتو” استناداً للقانون، فإنه يرسل رسالة قوية بأن طنجة لن تكون “استثناءً” في مسلسل محاربة الفساد وتضارب المصالح.
طنجة تستحق أكثر من “صفقات تحت الطاولة”، والمواطن يستحق أكثر من وعود جوفاء، والشفافية ليست “خياراً”، بل هي واجب دستوري وقانوني، فإما أن نختار مسار الحكامة والنزاهة، وإما أن نستمر في “لعب الكراسي” على حساب المال العام وثقة المواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد