الحسيمة: رخص “ممنوع الوقوف” تثير الجدل ومطالب بفتح تحقيق في “تخصيص الملك العمومي”

المراسل – الحسيمة
تعيش مدينة الحسيمة على وقع جدل واسع النطاق في الأوساط المحلية، عقب رصد تثبيت علامات “ممنوع الوقوف والتوقف” في مواقع استراتيجية بقلب المدينة، وهي الخطوة التي اعتبرها فاعلون مدنيون ومواطنون “تطاولاً” غير مفهوم على الملك العمومي، ما لم يستند إلى معايير قانونية واضحة وشفافة.
وانطلقت شرارة النقاش من محيط ساحة الريف الحيوية، حيث تم تثبيت علامة منع الوقوف أمام موقع يُفترض أنه يعود لنشاط تجاري يحمل اسم معروف بالمدينة.
وحسب معاينات ميدانية، فإن الموقع المذكور لا يظهر عليه أي نشاط تجاري فعلي قائم، مما دفع بالمتتبعين للشأن المحلي إلى التساؤل عن الكيفية التي استصدرت بها هذه الرخصة، وعن “الجدوى الاقتصادية أو الخدمية” التي تبرر حجز مساحة من الرصيف العمومي لصالح كيان غير مفعل على أرض الواقع.
وما زاد من حدة الاحتقان هو المقارنة التي عقدتها مصادر محلية بين حالة هذا المتجر وحالات أخرى لمهنيين في قطاع الصحة، إذ أفادت المصادر أن طلبات مماثلة تقدمت بها عيادات طبية ومختبرات للتحاليل الطبية – وهي مرافق ذات صبغة استعجالية تتطلب بطبيعتها توفير أماكن وقوف لسيارات الإسعاف أو المرضى ذوي الحالات الحرجة – قوبلت بالرفض أو التماطل.
هذا التباين في التعامل طرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام المساطر القانونية المعمول بها في تدبير السير والجولان، ودور اللجنة الإقليمية المختصة (التي تضم ممثلي السلطة المحلية، الأمن الوطني، والمجلس البلدي) في دراسة هذه الطلبات قبل التوقيع عليها، والمعايير التقنية التي يتم بناءً عليها منح امتياز “منع الوقوف” لجهة دون أخرى.
ولم يقتصر الأمر على ساحة الريف، بل أشار متتبعون إلى أن رخصاً مماثلة وُقّعت سابقاً في شارع مبارك البكاي، وهو ما يعكس، حسب تعبيرهم، “تسيباً” في منح تراخيص التشوير الطرقي التي تؤثر مباشرة على انسيابية السير في مدينة تعاني أصلاً من ضيق الشوارع وقلة المرائب، خاصة في فترات الذروة والموسم الصيفي.
وفي تعليق لأحد النشطاء الحقوقيين بالحسيمة: “إن الملك العمومي ملك لجميع المواطنين، وأي تخصيص لمساحة منه لفرد أو جهة يجب أن يكون معللاً بضرورة قصوى ومصلحة عامة واضحة، وليس بناءً على محاباة أو قرارات انفرادية”.
ويطرح هذا الجدل إشكالية عميقة حول منهجية تدبير الملك العمومي بمدينة الحسيمة، فإذا كانت القوانين المنظمة للسير والجولان تمنح للسلطة المحلية صلاحية تحديد مناطق منع الوقوف، فإن هذه الصلاحية ليست مطلقة، بل مقيدة بمعايير المصلحة العامة والشفافية وتكافؤ الفرص.
فكيف يُعقل أن يُمنح امتياز حجز الرصيف العمومي لمتجر لا يظهر عليه أي نشاط فعلي، بينما تُرفض طلبات عيادات طبية تحتاج بشكل ماس إلى أماكن وقوف لحالات الطوارئ؟ وأين هي التقارير التقنية التي تُبرر هذه القرارات؟ وهل تخضع جميع الطلبات لنفس المعايير، أم أن هناك “معاملة خاصة” لجهات معينة؟
هذه الأسئلة لا تُحرج فقط الجهة المانحة للرخص، بل تُضعف أيضاً ثقة المواطنين في نزاهة التدبير الترابي، وتُغذي شعوراً بالتهميش واللامساواة في الولوج للفضاء العمومي.
وفقاً للنصوص التنظيمية، تُسند دراسة طلبات التشوير الطرقي للجنة إقليمية مختصة تضم ممثلين عن السلطة المحلية، والأمن الوطني، والمجلس البلدي، هذه اللجنة مُكلفة بالسهر على احترام المساطر وضمان الموضوعية في اتخاذ القرارات.
لكن السؤال المحرج: هل تؤدي هذه اللجنة دورها فعلياً في دراسة الطلبات بعمق؟ أم أن التوقيعات تُمنح بشكل روتيني دون تمحيص كافٍ؟ وإذا كانت اللجنة تجتمع فعلاً، فلماذا لا تُعلن عن محاضر اجتماعاتها ومعايير قراراتها لضمان الشفافية؟
إن غياب الشفافية في عمل اللجان التدبيرية لا يحمي فقط من الشبهات، بل يُعزز أيضاً ثقة المواطنين في مؤسساتهم. فالحق في المعلومة ليس ترفاً، بل ضرورة ديمقراطية.
أمام هذا الوضع، وجه عدد من الفاعلين الجمعويين والمواطنين نداءً مباشراً إلى السيد باشا مدينة الحسيمة، بصفته المسؤول عن مراقبة مشروعية قرارات الجماعة الترابية وضبط النظام العام، للتدخل العاجل من أجل: أولاً، فتح تحقيق إداري شامل للوقوف على قانونية الرخص المسلمة مؤخراً، خاصة تلك الممنوحة لجهات لا تمارس نشاطاً فعلياً، ثانياً، مراجعة كافة علامات المنع المثبتة في الشوارع الرئيسية والتأكد من استحقاق أصحابها لها، وفق معايير معلنة وموضوعية، وثالثاً، تفعيل دور اللجنة المختصة لضمان تكافؤ الفرص والشفافية، بعيداً عن أي ضغوط أو حسابات ضيقة.
هذه المطالب ليست “تعنتاً” أو “معارضة للمبدأ”، بل هي دعوة لاستعادة الثقة في التدبير الترابي، ولضمان أن يُدار الملك العمومي لصالح الجميع، لا لصالح قلة.
في النهاية، لم يعد الجدل حول رخص “ممنوع الوقوف” بالحسيمة مجرد “خلاف تقني” حول التشوير الطرقي، إنه اختبار حقيقي لمبدأ أساسي: هل الملك العمومي حق مشترك لجميع المواطنين، أم سلعة تُوزع حسب المحاباة والنفوذ؟
فإذا كانت السلطة المحلية جادة في تطبيق مبادئ الحكامة والشفافية، فلا بد من خطوات ملموسة: تحقيق نزيه، معايير معلنة، شفافية في القرار، ومحاسبة على أي تجاوز.
المواطن بالحسيمة لا يطلب امتيازات، يطلب فقط أن يُعامل بعدل، وأن يُحترم حقه في فضاء عمومي منصف ومتاح للجميع، فإما إصلاح يُعيد الثقة، وإما استمرار في الغموض الذي يُغذي الشكوك ويُضعف الشرعية، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لتخصيص الملك العمومي بعيداً عن المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد