الدار البيضاء: هل نحتاج إلى “قانون” أم “ثورة لغوية” لتنقية أسواقنا من الكلام النابي؟

هبة زووم – الدار البيضاء
في العاصمة الاقتصادية للمغرب، حيث ناطحات السحاب ومشاريع البنية التحتية الضخمة، تختبئ حقيقة أخرى في أزقة الأسواق الشعبية لا تقل خطورة عن أي أزمة اقتصادية، إنها أزمة “اللسان”، أو ما يمكن تسميته بـ “تلوث اللغة”، الذي أصبح يسم المعاملات اليومية ويحول أبسط عمليات الشراء إلى مواجهات غير متكافئة.
في أسواق الخضر بالدار البيضاء، لم تعد السلعة هي الوحيدة المعروضة للتبادل، فبجانب “الكرعة” و”البطاطا”، تُقدم “حزمة شتائم” كهدية إجبارية لكل زبون.
يكفي أن تسأل عن الثمن دون نية شراء، حتى تتحول في نظر البائع من مواطن يبحث عن قوت يومه إلى “مول وجهين”، أو عميل للماركات الكبرى لا يفقه شيئاً في أصول الفلاحة، حيث تحول السؤال البريء إلى جريمة يعاقب عليها لسان البائع بالسب والقذف.
الأمر لا يتوقف عند الحد الفردي، فمشهد اختصام بائعين على زبونة واحدة يتحول إلى عرض مسرحي مأساوي من “فن الخطابة السوقي”، تُستخرج فيه كنوز لغوية لا تجد لها أصلاً في معاجم اللغة العربية، بل في قاموس “العصب” والغريزة البدائية، إنها ظاهرة تعكس بوضوح ما يعيشه المجتمع من “عصر سيبة” لغوي وأخلاقي، حيث يتسلل الفساد إلى أبسط تفاصيل الحياة، وتصبح الكلمة الخبيثة هي السائدة.
في مغرب اليوم، صار الكلام النابي مثل النفايات البلاستيكية؛ يلوث الأذن والروح، ينتشر في كل مكان، ويقاوم أي محاولة للتدوير أو التنقية. نحن أمام أزمة قيم قبل أن تكون أزمة سلوك، فالقوانين وحدها لن تكفي لضبط هذا الانزلاق، والتوعية التقليدية قد لا تصل إلى أعماق هذا الاستفحال.
إن ما نعيشه ليس مجرد سوء أدب عابر، بل هو مؤشر على تآكل الروابط الاجتماعية واحترام الذات والآخر. نحن بحاجة ماسة إلى “ثورة لغوية” حقيقية، لا تهدف فقط إلى تنظيف الشوارع من النفايات المادية، بل إلى تطهير الفضاء العام من النفايات المعنوية، ثورة تعيد للكلمة الطيبة قيمتها، وتجعل عبارة “والله حتى نتعرى عليك” مجرد ذكرى سيئة في قاموسنا اليومي، وليس واقعاً معاشاً.
إن استعادة هيبة اللغة هي خطوة أولى لاستعادة هيبة المواطن وكرامته، فإذا عجزنا عن حماية آذاننا وأرواحنا من تلوث الألسن في أسواقنا، فكيف نحلم بمجتمع يحترم القانون ويقدس القيم؟ الدار البيضاء تنتظر هذه الثورة، فهل من مطلق؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد