هبة زووم – امبارك أكرام
مرة أخرى، يجد التاجر الصغير نفسه الحلقة الأضعف في معادلة التدبير المحلي، بعدما اختارت جماعة الرباط تنزيل تعديلات القرار الجبائي بطريقة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستياء، بسبب الشروع في نزع الواقيات الشمسية واللوحات الإشهارية بشكل مفاجئ، دون إشعار مسبق أو تشاور مع المهنيين، وفي توقيت يُعد الأسوأ على الإطلاق مع ذروة فصل الصيف.
فالقرارات الإدارية لا تُقاس فقط بمدى مشروعيتها القانونية، وإنما أيضاً بكيفية تنزيلها وأثرها الاجتماعي والاقتصادي. وما وقع بالرباط يعكس، في نظر العديد من المهنيين، غياب رؤية تشاركية وتدبيراً يفتقد إلى الحكمة، إذ كيف يمكن الحديث عن تحديث المدينة وعصرنتها، بينما يتم تعريض مئات التجار لخسائر مباشرة تهدد مورد رزقهم الوحيد؟
إن تحسين جمالية العاصمة هدف مشروع لا يختلف حوله أحد، لكن تحويل هذا الهدف إلى مبرر لاتخاذ إجراءات فجائية تمس تجارة القرب يكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات. فلا يمكن بناء مدينة حديثة على حساب الفئات الهشة، ولا يمكن فرض النظام العمراني بإرباك النشاط الاقتصادي وإغفال البعد الاجتماعي.
وقد زاد من حدة الانتقادات ما اعتبره المتضررون غياباً شبه تام لجماعة الرباط عن التواصل مع المهنيين، وتهميشاً لدور غرفة التجارة والصناعة وممثلي التجار، في ملف يمس آلاف الأسر التي تعتمد على تجارة القرب كمصدر رئيسي للعيش. وهو ما يطرح علامات استفهام حول منطق اتخاذ القرار، ومدى احترام مبدأ المقاربة التشاركية الذي نص عليه الدستور والقوانين المنظمة للجماعات الترابية.
وفي هذا السياق، جاء تحرك حزب العدالة والتنمية والفضاء المغربي للمهنيين ليعيد النقاش إلى جوهر الإشكال، عبر المطالبة بمراجعة القرار الجبائي، وتخفيف الرسوم المفروضة على الواقيات الشمسية، وتبسيط مساطر التراخيص، وإشراك المهنيين في صياغة حلول متوازنة تحافظ على جمالية المدينة دون المساس بمصالح التجار.
غير أن جوهر القضية يتجاوز الخلاف حول الرسوم أو الواقيات، ليكشف عن أزمة أعمق في تدبير الشأن المحلي، حيث يبدو أن منطق القرارات الفوقية ما زال يطغى على ثقافة الحوار، وكأن الفاعلين الاقتصاديين مجرد منفذين لقرارات لم يشاركوا في إعدادها، رغم أنهم أول المتضررين من نتائجها.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في إزالة واقية شمسية أو لوحة إشهارية، بل في بناء علاقة ثقة بين الإدارة والمواطن، تقوم على التشاور والشفافية والإنصاف. فالتاجر ليس خصماً للجماعة، بل شريك في التنمية المحلية، وأي إصلاح يفتقد إلى هذا الوعي محكوم عليه بإنتاج مزيد من الاحتقان.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستراجع جماعة الرباط طريقة تدبير هذا الملف، وتنخرط في حوار جدي مع المهنيين، أم ستواصل فرض الأمر الواقع، بما قد يحول مشروع تحسين جمالية العاصمة إلى عنوان جديد للاحتقان الاجتماعي والاقتصادي؟
فالعاصمة التي تطمح إلى أن تكون نموذجاً في الحكامة، مطالبة أولاً بأن تقدم نموذجاً في حسن التدبير، لأن احترام القانون لا ينفصل عن احترام المواطن، والتنمية الحقيقية لا تتحقق بالقرارات الفجائية، بل بالشراكة والإنصات والتوازن بين المصلحة العامة وحقوق الفاعلين الاقتصاديين.
تعليقات الزوار