“مافيا الأسعار” تستبيح رمضان ومرصد مغربي يدق ناقوس الخطر ويدعو الحكومة لحماية القدرة الشرائية للمغاربة

هبة زووم – الرباط
في المغرب، لم يعد شهر رمضان مجرد فرصة روحانية للتقرب إلى الله والتضامن الاجتماعي، بل تحول في سنوات الأخيرة إلى “موسم تجاري استثنائي” تستغله شبكات المضاربة لرفع الأسعار دون مبرر، وتحويل فرحة الإفطار إلى همّ يومي للأسر المغربية.
ومع الأيام الأولى من رمضان 2026، عادت المشاهد المؤلمة: أسعار الخضر والفواكه والسمك والمواد الأساسية تقفز “بدون فرامل”، بينما يقف المواطن حائراً أمام سؤال واحد: من يحمي لقمة عيشنا؟
ما يؤكده المرصد المغربي لحماية المستهلك في بلاغه الأخير ليس مجرد “ملاحظة عابرة”، بل هو تشخيص خطير لواقع يؤرق الملايين: ارتفاع غير مبرر في أسعار الدقيق، الزيت، السكر، الحليب، والتمور، بالتزامن مع تزايد الطلب الرمضاني.
والأغرب في هذا السيناريو، أن سلاسل التوريد تشهد استقراراً نسبياً، مما يعزز الشكوك حول وجود “أيادٍ خفية” تستغل ظرفية الشهر الكريم لتحقيق أرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
هنا لا نتحدث عن “تقلبات سوق طبيعية”، بل عن ممارسات مضارباتية مُمنهجة تتلاعب بقوت الأسر، وتستبيح مبدأ “الرحمة والتضامن” الذي يجسده رمضان، فعندما ترتفع الأسعار دون مبرر اقتصادي حقيقي، فإننا أمام عملية “نهب ممنهج” يستهدف الفئات الأكثر هشاشة.
ويؤكد المرصد المغربي لحماية المستهلك، بحق، أن “القدرة الشرائية خط أحمر”. وهذا ليس شعاراً إنشائياً، بل هو مبدأ دستوري وقانوني، حيث ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على حق المواطن في “الحصول على السلع والخدمات الأساسية بجودة وبأسعار يمكن تحملها”، كما يُلزم القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك السلطات العمومية بـ”مراقبة الأسعار” و”منع الممارسات التجارية المخالفة”.
فكيف نقبل، في شهر يُفترض أن يكون شهر التضامن، أن تتحول موائد المغاربة إلى “سوق سوداء” يُتلاعب فيها بالأسعار دون رادع؟ وكيف نسمح لـ”مافيا المضاربة” بأن تجعل من رمضان “موسماً للربح السريع” على حساب كرامة الأسر؟
هذا، ودعا المرصد المغربي في بلاغ له إلى ضرورة تشديد المراقبة الميدانية اليومية للأسواق ومسالك التوزيع، وليس فقط في “حملات إعلامية” موسمية، ضبط هوامش الربح في المواد الأساسية ذات الاستهلاك الواسع، ووضع سقف واضح للأسعار يحمي المستهلك ويضمن ربحاً عادلاً للتاجر الشريف، تفعيل الآليات الزجرية ضد المضاربة والاحتكار بكل صرامة، لأن الغرامات الرمزية لم تعد رادعة أمام أرباح الملايين، نشر لوائح الأسعار المرجعية بشكل يومي وشفاف في الأسواق ومنصات التواصل، لتمكين المواطن من معرفة “السعر العادل، مع إحداث خطوط تبليغ فورية عن التجاوزات السعرية، مع ضمان متابعة شكاوى المواطنين بجدية وفعالية.
ما يحدث اليوم في الأسواق المغربية ليس مجرد “أزمة أسعار عابرة”، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية السياسات العمومية في حماية المواطن، فإذا عجزت الدولة عن ضبط الأسعار في شهر رمضان، حيث تتركز أنظار الجميع، فكيف نثق في قدرتها على ضمان استقرار القدرة الشرائية طوال السنة؟
المواطن المغربي لا يحتاج إلى “بيانات قلق” أو “وعود مستقبلية”. يحتاج إلى إجراءات ملموسة: دجاجة بسعر معقول، كيلو طماطم لا يُرهق ميزانيته، ولتر زيت لا يتحول إلى “سلعة نادرة”، بل يحتاج إلى رقابة حقيقية تمنع “جشع” السماسرة، وتحول دون تحويل شهر الرحمة إلى “موسم للنهب”.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن نترك “مافيا الأسعار” تستبيح جيوب المغاربة تحت غطاء “حرية السوق”. السوق الحرة لا تعني “فوضى الأسعار”، والربح المشروع لا يمر عبر “استغلال حاجة الناس”.
السلطات المختصة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحرك بجرأة لفرض هيبة القانون وحماية القدرة الشرائية، وإما أن تتحمل المسؤولية التاريخية عن كل أسرة تُفطر على “همّ الغلاء” بدلاً من “فرحة الإفطار”.
رمضان شهر الرحمة.. وليس موسم “الرحمة من الجيب”، والمواطن يستحق أكثر من كلمات. فإما رقابة شجاعة تُنقذ القدرة الشرائية، وإما استمرار في “اللغز” الذي يُفطر المغاربة على القهر.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد