سطات: لوبيات الريع تشوش على العامل حبوها الذي أغلق باب العمالة في وجه السماسرة

هبة زووم – سطات
ما يجري اليوم بمدينة سطات لا يمكن قراءته باعتباره مجرد سجال عابر أو نقاش عمومي صحي، بل يبدو أقرب إلى توظيف ممنهج للضجيج كأداة لإرباك مسار إداري جديد، اختار منذ بدايته الاصطدام بمصالح مترسخة.
فبينما تُضخَّم قضايا ثانوية وتُقدَّم للرأي العام كـ”زلزال سياسي أو إداري”، تبقى الملفات الثقيلة – المرتبطة بالريع، وهدر المال العام، والتستر على سنوات من سوء التدبير – خارج دائرة الضوء، لأنها ببساطة تُربك لوبيات اعتادت العمل في الظل.
اللافت أن هذا الأسلوب ليس جديدًا؛ إنه تكتيك كلاسيكي، اختيار موضوع فارغ، تضخيمه، إعادة تدويره، ثم توجيهه إعلاميًا، في محاولة لصرف الأنظار عن الأسئلة الجوهرية: من أفسد؟ من استفاد؟ ومن حمى منظومة الريع طيلة سنوات؟
سطات، التي يقال إنها “أكلت أبناءها”، ليست وحشًا بالمعنى الحرفي، بل مدينة تغيّرت أسرع مما احتمل نسيجها الاجتماعي والأخلاقي.
توسّعت عمرانًا، تضاعف سكانها، وتداخلت فيها أنماط عيش ومصالح مختلفة، دون أن تُواكب هذه التحولات بسياسات تحصّن العدالة وتكافؤ الفرص.
هذا التحول أنتج مفارقة مؤلمة: مدينة تكبر، لكن بعض أبنائها يشعرون بالغربة داخلها، لا لأنهم فشلوا، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت لصالح من يمتلك العلاقات لا الكفاءة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال سطات في صورة قاتمة فقط، فالمدن، كما البشر، لا تُدان بالكامل ولا تُبرَّأ بالكامل، هي مرآة لسلوك ساكنيها، وانعكاس لاختياراتهم.
وإذا انتشرت فيها مظاهر الوصولية، فهناك أيضًا نماذج نظيفة وناجحة، تثبت أن الطموح لا يتناقض مع القيم، وأن النجاح لا يشترط المرور عبر بوابة السمسرة.
في هذا السياق، يبرز اسم عامل الإقليم حبوها، ليس باعتباره “منقذًا”، بل كعنوان لمرحلة مختلفة تحاول – على الأقل في خطابها وممارساتها الأولى – إغلاق باب العمالة في وجه السماسرة، وفرض مسافة واضحة بين الإدارة ومن اعتادوا التوسط والابتزاز.
الهجوم المبكر على العامل، قبل أن تتضح نتائج عمله، لا يمكن فصله عن هذه الخلفية، فالأمر لا يتعلق بشخص، بل بمعركة أوسع: معركة بين من يريد إدارة تُفتح على القانون والمؤسسات، ومن يريد استمرار الوضع كما كان… حيث تُدار الأمور بالهاتف والوساطة.
العامل حبوها ليس نهاية العالم، لكنه مؤشر. مؤشر على صراع بين من يسعى إلى بناء مستقبل إداري أقل ريعية، ومن يصرّ على إبقاء المدينة رهينة منطق “دعه يمر”.
ربما لا تحتاج سطات أن تعود مدينة صغيرة؛ فذلك مستحيل. لكنها تحتاج أن تعيد تعريف معنى الكِبَر: أن يكون الاتساع فرصة للعدالة لا للفوضى، وأن تكون المنافسة حافزًا للإبداع لا ذريعة للإقصاء، وأن يُنظر إلى السكان لا كأرقام في إحصاءات النمو، بل كبشر لهم أحلام وهشاشة وحق في الإنصاف.
حينها فقط، يمكن أن تتحول سطات من مدينة تُتَّهم بابتلاع أبنائها، إلى مدينة تحتضنهم، وحينها، لن يكون صدى المغادرين هو الغضب فقط… بل ربما الحنين، وربما العودة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد