مبيعات تتراجع محلياً وخارجياً: ماذا تخفي أرقام بنك المغرب وراء “الاستقرار الظاهري” للصناعة؟

هبة زووم – الرباط
كشفت أرقام بنك المغرب الأخيرة حول الظرفية الصناعية لشهر فبراير 2026 عن واقع معقد ومتباين للقطاع الصناعي المغربي، يتسم بـ”ركود في الإنتاج”، و”انخفاض في المبيعات”، و”معدلات استخدام طاقات إنتاجية لم تتجاوز 77%”، في وقت تُبدي فيه حوالي مقولة واحدة من كل أربع مقاولات “حالة من عدم اليقين” بشأن مستقبل إنتاجها.
هذه المؤشرات، وإن بدت تقنية للوهلة الأولى، تعكس في عمقها هشاشة التعافي الاقتصادي، وتفاوتاً قطاعياً حاداً، وتحديات هيكلية لا تزال تواجه الصناعة الوطنية في ظل سياق دولي مضطرب.
وأشار الاستقصاء الشهري لبنك المغرب إلى استقرار نسبة استخدام الطاقات الإنتاجية عند 77%، وهي نسبة تعكس فجوة استغلال تقارب الربع، مما يعني أن مصانع مغربية عديدة تعمل دون طاقتها القصوى، إما بسبب ضعف الطلب، أو مشاكل في التموين، أو اختلالات في سلاسل القيمة.
وفي تفاصيل القطاعات، برز تباين صارخ:
– قطاعات صاعدة: سجل الإنتاج ارتفاعاً في “الصناعة الغذائية” و”الميكانيك والتعدين”، مما يعكس قدرة هذين القطاعين على الصمود نسبياً أمام التحديات.
– قطاعات متراجعة: في المقابل، سجل الإنتاج انخفاضاً في “النسيج والجلد” و”الصناعة الكيماوية وشبه الكيماوية”، وهي قطاعات تقليدية تُشغّل آلاف الأيدي العاملة، مما يُثير مخاوف بشأن تأثير ذلك على التشغيل والدخل.
أما على مستوى المبيعات، فالصورة أكثر قتامة: تراجع إجمالي للمبيعات، سواء في السوق المحلية أو الخارجية، باستثناء ارتفاع محدود في “الصناعة الغذائية” و”النسيج والجلد”.
وهذا التراجع المزدوج (محلياً وخارجياً) يطرح سؤالاً استراتيجياً: هل تعاني الصناعة المغربية من أزمة طلب هيكلي، أم أن الأمر مجرد تذبذب ظرفي؟
على مستوى الطلبيات، سجل الاستقصاء “ركوداً عاماً” يعكس في الواقع تباينات كبيرة، بارتفاع في قطاعي “الصناعة الغذائية” و”الميكانيك والتعدين”، وتراجع في قطاعي “النسيج والجلد” و”الصناعة الكيماوية”.
هذا الوضع يُترجم إلى سوق مجزأة: قطاعات تجد طلباً متزايداً، وأخرى تعاني من فتور الزبائن. والسؤال الجوهري: لماذا هذا التباين؟ هل هو مرتبط بمنافسة دولية شرسة؟ أم بضعف القدرة التنافسية لبعض القطاعات؟ أم بتأثيرات سياقية مثل التضخم أو تقلص القوة الشرائية؟
بالنسبة للأشهر الثلاثة المقبلة، يتوقع أرباب الصناعة “ارتفاعاً إجماليًا في الإنتاج والمبيعات” بمعظم الفروع، باستثناء قطاع “النسيج والجلد” الذي يُرتقب له “ركود”.
هذا التفاؤل النسبي قد يكون مدفوعاً بتحسن متوقع في الطلب الخارجي، أو استقرار أسعار بعض المواد الأولية، أو تأثير سياسات دعم حكومية محتملة.
لكن في المقابل، فإن حوالي 25% من المقاولات تشير إلى وجود حالة من عدم اليقين بشأن تطور الإنتاج مستقبلاً، هذه النسبة ليست هامشية، بل تعكس هشاشة الثقة لدى جزء مهم من النسيج الصناعي، مما قد يُؤخر قرارات الاستثمار والتوظيف والتوسع.
لا يمكن قراءة أرقام بنك المغرب اليوم بمعزل عن السياق الأوسع. فـ”الركود في الإنتاج” و”تراجع المبيعات” يطرحان أسئلة محرجة للفاعلين العموميين والخواص على حد سواء: أين هي السياسات الصناعية الاستباقية التي كان يفترض أن تُحفز القطاعات المتعثرة مثل النسيج والكيماويات؟ كيف يمكن تفسير استمرار 23% من الطاقات الإنتاجية معطلة في وقت تُعلن فيه الدولة عن حاجة ملحة لتعزيز الإنتاج المحلي؟ ما هي الإجراءات الملموسة لطمأنة الـ25% من المقاولات التي لا تزال في دائرة “عدم اليقين”؟ وأين هي استراتيجية تنويع الصادرات لتقليل الاعتماد على أسواق تقليدية قد تشهد تباطؤاً؟
لم يعد كافياً أن يكتفي بنك المغرب بـ”رصد المؤشرات” ونشرها بشكل دوري. ما يحتاجه القطاع الصناعي المغربي اليوم هو خطة طوارئ قطاعية لدعم القطاعات المتعثرة عبر حوافز ضريبية، وتسهيلات ائتمانية، ومساندة في الولوج للأسواق الجديدة، بالإضافة إلى مراجعة سياسة دعم الاستثمار الصناعي، لجعلها أكثر استهدافاً للفئات الهشة والمقاولات الصغرى والمتوسطة.
كما يتطلب الأمر تعزيز الشراكات بين البحث العلمي والصناعة، لرفع القدرة التنافسية عبر الابتكار والتجديد التكنولوجي، وإطلاق منصة رقمية موحدة لرصد فرص التصدير وتسهيل ولوج المقاولات للأسواق الخارجية، مع حوار دوري ومكثف بين بنك المغرب، والوزارة المكلفة بالصناعة، والفاعلين المهنيين، لتقريب الرؤى وتسريع اتخاذ القرارات.
ما تكشفه أرقام فبراير 2026 ليس “تراجعاً ظرفياً عابراً”، بل هو جرس إنذار يُدق في وجه السياسات الصناعية الوطنية: الصناعة المغربية لم تعد قادرة على النمو بمنطق “الانتظار”، بل تحتاج إلى رؤية استباقية، وتدخلات مستهدفة، وشراكات فعالة لتحويل “الطاقات المعطلة” إلى “فرص إنتاج”، و”عدم اليقين” إلى “ثقة استثمارية”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد