هبة زووم – متابعة
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد الجدل حول مستقبل عبد اللطيف الجواهري على رأس بنك المغرب، وسط حديث متكرر عن “نهاية ولايته” مع حلول متم سنة 2025، وهو نقاش كشف، مرة أخرى، هشاشة التعامل مع المعطى الدستوري، وسهولة انزلاق النقاش العمومي نحو الخلط والتأويل بدل التحليل الدقيق.
الوقائع القانونية والمؤسساتية تؤكد، بشكل لا يدع مجالًا للبس، أن ولاية والي بنك المغرب لا تنتهي مع نهاية سنة 2025، ولا ترتبط أصلًا بمدة زمنية إدارية محددة.
فالجواهري سيواصل مهامه على رأس المؤسسة النقدية الأولى في البلاد ما لم يصدر قرار ملكي صريح يقضي بإنهاء مهامه أو تعيين خلف له، باعتبار أن هذا المنصب يخضع لمنطق سيادي خاص، يختلف جذريًا عن باقي التعيينات الإدارية.
ويستند هذا المعطى إلى الفصل 49 من الدستور المغربي، الذي يمنح المجلس الوزاري، برئاسة الملك، صلاحية تعيين والي بنك المغرب، وذلك باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني. وبهذا المعنى، فإن منصب والي البنك المركزي لا يخضع لمنطق “الولاية المحددة”، بل لقرار سيادي مرتبط بتقدير أعلى سلطة في البلاد، انسجامًا مع طبيعة المؤسسة ودورها في ضمان الاستقرار النقدي والمالي.
في المقابل، فإن ما يُنتظر أن ينتهي فعليًا مع يوم الأربعاء 31 دجنبر 2025، هو انتداب الأعضاء المستقلين الستة داخل مجلس بنك المغرب، وهو المعطى الذي تم، عن قصد أو عن غير قصد، توسيعه ليشمل والي البنك، في خلط واضح بين موقعين مختلفين من حيث التعيين والاختصاص والمسؤولية.
ويتكوّن مجلس بنك المغرب من: والي بنك المغرب، المعيّن بظهير ملكي، المدير العام للبنك، مدير الخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية (دون حق التصويت في القرارات المتعلقة بالسياسة النقدية)، وستة أعضاء مستقلين يعينهم رئيس الحكومة.
ويُعيَّن ثلاثة من هؤلاء الأعضاء الستة باقتراح من والي بنك المغرب، من بين شخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة في المجالات النقدية أو المالية أو الاقتصادية، فيما يُقترح الثلاثة الآخرون من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالمالية. وهؤلاء فقط هم المعنيون بانتهاء الولاية القانونية مع متم سنة 2025.
وكان عبد اللطيف الجواهري نفسه قد حسم هذا اللبس، عقب الاجتماع الثالث لمجلس بنك المغرب خلال شهر شتنبر الماضي، حين تحدث عن “نهاية الولاية مع نهاية دجنبر 2025”، في سياق واضح يتعلق بالأعضاء الستة المستقلين، دون أن يكون معنيًا شخصيًا بهذا الأجل، لا من قريب ولا من بعيد.
غير أن إعادة إحياء هذا النقاش في هذا التوقيت بالذات تطرح أسئلة مشروعة حول خلفياته، خاصة في ظل سياق سياسي واقتصادي حساس، حيث يتحول الغموض المؤسساتي – حين يُساء فهمه أو يُوظف – إلى مادة للجدل بدل أن يكون موضوعًا للتوضيح الرصين.
وفي المحصلة، يكشف هذا الجدل أن الإشكال لا يكمن في وضعية والي بنك المغرب، بقدر ما يكمن في ضعف الثقافة الدستورية لدى جزء من النقاش العمومي، وغياب التمييز بين المناصب السيادية الخاضعة للقرار الملكي، والمناصب التمثيلية أو التقنية المحددة بآجال قانونية.
فالجواهري، دستوريًا ومؤسساتيًا، ليس في نهاية ولاية، بل في استمرار لمهام لا تنتهي إلا بقرار ملكي، وكل ما عدا ذلك لا يعدو أن يكون تأويلاً خارج النص وخارج السياق.
تعليقات الزوار