هبة زووم – الرباط
في خرجة وصفها المتابعون بـ”المستفزة” والتي “سيكون لها ما بعدها”، أطلق وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، كلمات اعتبرها كثيرون “صفعة” للجالية المغربية بالخارج، وذلك خلال لقاء للتواصل مع النخب والكفاءات، حيث خاطب المغاربة المقيمين في الخارج قائلاً: “بلادك هادي… واش خاصني نشكرك حيث جيتي لبلادك؟… Reste là-bas” (ابقَ هناك).
هذه العبارات، التي تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي كـ”نار في الهشيم”، لم تكن مجرد “زلة لسان” عابرة، بل كشفت عن عقلية استعلائية تتعامل مع الجالية المغربية ليس كـ”شريك في التنمية”، بل كـ”ضيف ثقيل” يُنتظر منه الصمت والطاعة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف لوزير يحمل حقيبة “الصناعة والتجارة” أن يجهل قيمة شريان اقتصادي يضخ سنوياً ما بين 11 و13 مليار يورو في عروق الاقتصاد الوطني؟
لم تكن كلمة “Reste là-bas” (ابقَ هناك) مجرد كلمة عابرة، بل كانت رسالة سياسية مشفرة تحمل في طياتها إقصاءً ممنهجاً لملايين المغاربة الذين اختاروا العيش خارج الوطن، ليس هرباً منه، بل بحثاً عن فرص لم يجدوها في بلدهم.
فبينما تُروّج الدولة لخطابات “الجالية رافعة للتنمية” و”شراكة متجددة”، يأتي وزير في حكومة أخنوش ليقول لمغربي يريد أن يعود إلى بلاده ويريد أن يستثمر فيها: “لا داعي للشكر، بل الأفضل أن تبقى حيث أنت”.
هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً وجودياً: أي “مغرب جديد” هذا الذي يطرد أبناءه بكلمات جارحة؟ وأي “جالية” هذه التي تُهان في وطنها بينما تُستغل تحويلاتها في أزماته؟
ما يُفاقم من خطورة تصريحات رياض مزور هو أنها تصدر عن وزير مكلف بالتجارة والصناعة، يفترض أن يكون خبيراً في موازين المدخلات والمخرجات الاقتصادية، فكيف لرجل في موقعه أن يهين مصدراً لتمويل الاقتصاد المغربي يدرّ سنوياً ما بين 11 و13 مليار يورو (أي ما يفوق 120 مليار درهم) من التحويلات المالية؟
لا يمكن نسيان أن الجالية المغربية كانت في الخط الأمامي خلال جائحة كورونا، حيث واصلت إرسال التحويلات المالية رغم الصعوبات الاقتصادية التي عاشتها في بلدان الإقامة، هذه التحويلات لم تكن “رفاهية”، بل كانت “طوق نجاة” لعائلات وجدت نفسها فجأة دون دخل، ومع ذلك، يبدو أن الذاكرة الوزير قصيرة جداً.
فبينما كانت الأسر المغربية تنتظر “شكراً” أو “اعترافاً” بتضحيات الجالية، جاء وزير ليقول: “اش خاصني نشكرك”، هذه الجملة ليست مجرد “قلة ذوق”، بل هي تنكر ممنهج لدور حيوي لعبته الجالية في أحلك الظروف.
وفي هذا السياق، تُظهر تصريحات مزور تحولاً خطيراً في نظرة بعض المسؤولين للجالية: من “شريك اقتصادي” إلى “عبء سياسي”، ومن “جسر للتعاون” إلى “مصدر إزعاج”.
هذا التحول لا يعكس فقط “جهلاً” بالواقع الاقتصادي، بل يُرسل رسالة مسمومة للمغاربة في الخارج مفادها: “مساهمتكم المالية مرحب بها، لكن وجودكم غير مرغوب فيه”.
والسؤال الاستراتيجي: كيف يمكن للدولة أن تتوقع ولاء واستثماراً من جالية تُهان في وطنها؟ وأي “جاذبية” هذه التي تطرد الكفاءات بدلاً من استقطابها؟
تعليقات الزوار