من تدبير النفايات إلى حجز المركبات: دورة استثنائية لمجلس العيون تطرح سؤال “أي أولويات هذه للساكنة”؟

هبة زووم – العيون
في مشهد يُعيد تعريف الممارسة الديمقراطية المحلية بأبشع صورها، انعقدت الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة العيون، يوم أمس الأربعاء، لتُصادق بأغلبية “مريحة” ونقاش “مستفيض” – بحسب المحضر الرسمي – على ملفات بيئية وتدبيرية حساسة تمس بشكل مباشر صحة السكان وجودة حياتهم.
مشهد لا يُثير فقط الاستغراب، بل يطرح سؤالاً جوهريا: إذا كانت القرارات مهمة وحساسة كما يُدّعى، فلماذا لا تفتح للنقاش العمومي قبل المصادقة؟ وأي شفافية هذه التي تُحيط ملفات بيئية مصيرية بكواليس إدارية ومحاضر مغلقة؟
فبينما يُعلن المجلس عن حرص مكوناته على تطوير المرافق الجماعية، يجد المواطن نفسه أمام قرارات تُتخذ باسمه دون أن يُسمع صوته، وتُنفّذ في محيطه دون أن يُستشار في تفاصيلها، سؤال بسيط لكنه قاسٍ: من يملك حق تدبير نفايات العيون؟ وأي مسؤولية هذه التي تُفوَّض لـ”شريك مفوض” دون معايير معلنة؟
هذا، وقد تضمن جدول الأعمال ثلاثة ملفات مرتبطة بمركز طمر وتثمين النفايات المنزلية والمماثلة لها بجماعة العيون: مشروع اتفاقية التدبير، مشروع دفتر التحملات، وملاحق عقد التدبير المفوض.
لكن وراء هذه العناوين الإدارية، تختفي تفاصيل تُثير أسئلة محرجة: لماذا لا تُنشر بنود اتفاقية التدبير كاملة للرأي العام قبل المصادقة عليها، بدلاً من الاكتفاء بعناوين عامة تُخفي الجوهر؟ وأين هي معايير اختيار الشريك المفوض التي تضمن الكفاءة والشفافية في تدبير مرفق بيئي حساس يُهدد صحة السكان؟ وكيف يمكن ضمان مراقبة فعلية لجودة الخدمات بينما تُترك التقارير الدورية رهينة كواليس الإدارة وتقديرات غير معلنة؟
فتحويل تدبير النفايات من قضية بيئية ملحة إلى ملف إداري يُصادق عليه بالأغلبية لا يهدر فقط فرص الرقابة المواطنية، بل يُرسّخ ثقافة القرار المغلق التي تُقدم سرعة الإجراءات على جودة النقاش، وراحة المسؤولين على صحة المواطنين.
كما تضمن جدول الأعمال الدراسة والمصادقة على مشروع قرار بشأن التدبير المباشر من طرف الجماعة لمرفق قطر المركبات وإيداعها بالمحجز الجماعي.
هذا الخيار التدبيري يطرح أسئلة استراتيجية لا مفر منها: لماذا اختارت الجماعة التدبير المباشر بدلاً من اللجوء إلى شراكات مع القطاع الخاص قد تضمن كفاءة أعلى؟ وأين هي دراسة المقارنة التي تُبرر هذا الاختيار من حيث الكلفة والجودة والفعالية قبل اتخاذ القرار؟ وكيف يمكن ضمان حيادية المرفق بينما تُترك إدارته بيد الجماعة دون آليات رقابة مستقلة تمنع أي استغلال سياسي أو إداري؟
فتحويل تدبير المرافق من خيار تقني إلى قرار سياسي لا يُهدر فقط فرص الكفاءة، بل يُعمّق شعور المواطنين بالغموض التدبيري الذي يُحوّل الخدمة العمومية من حق للمواطن إلى ورشة إدارية تُدار بتقديرات شخصية.
وقد صادق المجلس الجماعي بالأغلبية، بعد نقاش سماه بـ”المستفيض والمسؤول”، على جميع النقاط المدرجة في جدول الأعمال، بما يعكس حرص مكونات المجلس على تطوير المرافق الجماعية.
لكن هذا الوصف الرسمي يطرح سؤالاً جوهريا لا مفر منه: ما هو مضمون هذا “النقاش المستفيض”؟ وهل شمل طرح بدائل حقيقية، أم كان مجرد تبرير مُسبق لقرارات كانت مُبرمجة سلفاً؟
ففي الديمقراطيات المحلية الراسخة، يُعتبر النقاش المعارض ثروة تُثري القرار وتُحصنه من الأخطاء، أما في العيون، فالأغلبية تُصبح أحياناً غطاءً لغياب الجرأة في طرح الأسئلة الصعبة، والخوف من كسر قواعد اللعبة غير المكتوبة.
فملفات مثل مركز طمر النفايات ليست مجرد عقود إدارية، بل هي قضايا تمس صحة السكان وجودة حياتهم بشكل مباشر، فأي مسؤولية هذه التي تُفوّض تدبير نفايات مدينة بأكملها لشريك مفوض دون ضمانات رقابية كافية؟
هذا الانزياح القيمي يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن الجماعة عن خطة مراقبة بيئية مستقلة لمركز الطمر، تضمن حماية الصحة العامة؟ وأين هي مشاركة المجتمع المدني في تتبع جودة الخدمات البيئية، بدلاً من الاكتفاء باستقبال الشكاوى بعد وقوع الضرر؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المواطن والجماعة بينما تُترك القرارات البيئية المصيرية رهينة كواليس غير مرئية؟
اليوم، لم يعد مقبولاً أن تُترك قرارات المجالس المنتخبة رهينة الشكليات الإدارية وصمت الرقابة، فما تعيشه العيون مع دورة مجلس الجماعة ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة المنتخبين على تجاوز عقلية الموافقة الآمنة لخدمة المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد