فكيك: عندما يتحول العامل إلى حارس للمعلومة والإعلام إلى رهينة للانتقائية؟

هبة زووم – فكيك
في زمن تُصبح فيه المعلومة مجرد منحة انتقائية تُمنح للموالين وتُحجب عن المستقلين، وحق المواطن في الخبر مجرد شعار يعلق على الجدران بينما يُمارس التعتيم في المكاتب، تتحول فكيك من مدينة حدودية واعدة إلى نموذج صارخ لانهيار مبدأ الشفافية وارتباك التواصل المؤسساتي.
مشهد لا يُثير فقط استياء الإعلاميين المحليين، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كان المسؤول يختار من يخبر ومن يُقصي، فكيف ننتظر من الإعلام أن يكون رقيباً نزيهاً؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح لـ”انتقائية العامل أوعبو” بأن تُغرق مدينة بأكملها في بحر من العزلة المعلوماتية الممنهجة؟
فبينما يواجه الإعلام المحلي في فكيك تحديات كبيرة في متابعة أنشطة المجلس الجماعي والسلطات المحلية، لا يزال الصحفي ينتظر بلاغاً واحداً يصله في وقت واحد مع زملائه. سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث الانتقائية بينما يُترك المواطن يتفرج على أخبار مدينته وهي تُصفى حسب الولاءات؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل التواصل المؤسساتي من حق دستوري إلى منحة شخصية تُوزع حسب المزاج؟
فحين تتحول المعلومة إلى سلعة انتقائية، فإن أي إعلامي يصبح ضحية لهذا التمييز. فها هي البلاغات تُرسل للمقربين فقط، وها هي اللقاءات تُحجز لوسائل إعلام مختارة، وها هي القرارات تُعلن بعد وقوعها، بينما يُترك الباقون يعتمدون على التسريبات والمصادر غير الرسمية.
هذا الانزياح القيمي في ممارسة التواصل المؤسساتي يطرح إشكاليات غير مسبوقة: لماذا لا تُفعّل “قنوات تواصل رسمية ومفتوحة (بريد إلكتروني موحد، منصة إلكترونية، نشرة دورية) تضمن وصول المعلومة لجميع الإعلاميين في وقت واحد؟ وأين هي سياسة التواصل الواضحة التي تمنع تحويل البلاغات الرسمية من حق عام إلى منحة خاصة تُوزع حسب المحاباة؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في تغطية إعلامية نزيهة بينما يجد إعلاميين مُقصين يعتمدون على التسريبات لضمان حقهم في الخبر؟
فتحويل حق الوصول للمعلومة من مبدأ دستوري إلى امتياز انتقائي لا يُهدر فقط مصداقية العمل الإعلامي، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسساتية التي تُقدم راحة التحكم على شرف الشفافية.
هذا، وتعاني مدينة فكيك، التي تُقدَّم كمنطقة حدودية ذات خصوصية استراتيجية، من تحول تدريجي إلى مختبر حي لممارسات تواصلية انتقائية، حيث يُقصَى إعلاميون مستقلون لصالح وسائل موالية، وتتحول البلاغات الرسمية إلى أداة مكافأة ومعاقبة، في غياب تام لمبدأ المساواة في الوصول للمعلومة.
هذا الواقع المر يطرح أسئلة محرجة: أين هي لجنة تكافؤ الفرص الإعلامية التي كان يفترض أن تضمن معاملة عادلة لجميع الصحافيين المحليين بغض النظر عن توجهاتهم؟ ولماذا لا تُعلن السلطات المحلية عن لائمة إعلامية معتمدة شفافة ومحدثة، بدلاً من الاكتفاء بـ”قوائم سرية” تُوزع حسب الولاءات؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المواطن والإعلام بينما تُترك الفجوة المعلوماتية تتسع بين إعلام مُكرَّم وإعلام مُقصَى؟
فتحويل التواصل المؤسساتي من رسالة خدمة إلى أداة إقصاء لا يُهدر فقط حقوق الإعلاميين، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز المعلوماتي الذي يُحوّل المسؤول من خادم للعموم إلى حارس للامتيازات.
لقد انتظر الإعلاميون المحليون كثيراً تدخلاً حاسماً من عامل إقليم فكيك، الذي يُفترض أن يكون ضامناً لحرية الصحافة وحارساً لمبدأ الشفافية في نطاق ترابه، لكن كل ما حصل عليه الصحفيون هو انتقائية مُمنهجة، وبلاغات بالقطارة تُوزع حسب المزاج، دون أي سياسة تواصل واضحة أو عادلة.
هذا السياق المقلق يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا يبادر العامل إلى إطلاق منصة تواصل رقمية موحدة تنشر جميع البلاغات والقرارات بشكل فوري وشفاف، في متناول جميع الإعلاميين؟ وأين هي الاستراتيجية الواضحة لضمان تكافؤ الفرص الإعلامية بين جميع الوسائل المحلية، بغض النظر عن حجمها أو توجهها؟ وكيف يمكن ضمان شفافية مؤسساتية في فكيك بينما تُترك شبكات الإقصاء تعمل في الخفاء دون محاسبة؟
اليوم، تحويل السلطة الترابية من رسالة ضمان للحقوق إلى منصب للتحكم في المعلومة لا يُهدر فقط فرص شفافية التدبير المحلي، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي تُقدم راحة التعتيم على شرف العلنية.
ممارسات تُشبه كثيراً ما يُطلق عليه إعلام بالمزاج، حيث لا يُحرك المسؤول ساكناً حتى تفجر الأزمة، بينما يُترك الصحفي يدفع ثمن اللامبالاة يومياً.
هذا السياق المقلق يطرح سؤالاً وجودياً: هل ينتظر المسؤولون أزمة مصداقية حقيقية لتتحرك السلطات، أم أن الوقاية أصبحت مجرد كلمة في تقرير؟
وفي هذا السياق، لم يعد مقبولاً أن يُترك الإعلام المحلي بفكيك رهينة العزلة المعلوماتية وصمت المسؤولين، ما يحتاجه الصحفيون والمواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو: إطلاق فوري لمنصة تواصل رقمية موحدة تنشر جميع البلاغات والقرارات والأنشطة بشكل فوري وشفاف، في متناول جميع الإعلاميين دون استثناء، اعتماد بريد إلكتروني رسمي موحد لإرسال البلاغات، مع إلزام جميع المصالح المحلية باستخدامه لضمان تكافؤ الوصول للمعلومة، مع تنظيم لقاءات دورية مفتوحة بين السلطات المحلية والإعلاميين، لتبادل المعلومات والإجابة على الاستفسارات بشكل شفاف.
ما يعيشه الإعلام المحلي بفكيك مع ملف التواصل المؤسساتي ليس خللاً إدارياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية التحكم في المعلومة لخدمة شرف الشفافية.
فإما أن تتحول وعود التواصل من كلمات في خطاب إلى آليات على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية وصلاحيات واسعة لضمان تكافؤ الفرص الإعلامية ومساءلة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة التعتيم التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لخدمة المواطن إلى مغنم للتحكم في الخبر وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان حقهم في المعلومة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد