هبة زووم – الرباط
أثار التوضيح الصادر عن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل بخصوص طلبات العروض الخاصة بالتواصل نقاشًا واسعًا، لم ينجح البلاغ، رغم طوله وتفصيله، في تبديده بالكامل.
فبعيدًا عن التأكيد المتكرر على احترام المساطر القانونية، ظل السؤال الجوهري عالقًا: هل تتناسب كلفة هذه الصفقات مع السياق الاجتماعي والرهانات الحقيقية للتكوين المهني بالمغرب؟
المكتب، في رده، شدد على أن طلبات العروض أُطلقت وفق القوانين الجاري بها العمل، وفي إطار تنافسي شفاف، غير أن هذا التأكيد، على أهميته القانونية، لا يُجيب وحده عن منطق الاختيار السياسي والمالي، ولا عن مدى أولوية ضخ اعتمادات مالية مهمة في مجال التواصل، في وقت ما تزال فيه عدد من مؤسسات التكوين تعاني خصاصًا بنيويًا في التجهيزات، والموارد البشرية، وجودة التأطير.
ويعتمد مكتب التكوين المهني في دفاعه على حُجّة الامتداد الوطني، وتعدد المؤسسات (أزيد من 500)، واتساع قاعدة المستفيدين (410 آلاف مقعد بيداغوجي)، وهو معطى واقعي لا يمكن إنكاره. غير أن هذا الامتداد نفسه يطرح سؤال الحكامة: هل يستوجب ذلك بالضرورة صفقات تواصلية بهذه الكلفة، أم أن الخلل يكمن في نموذج تدبير التواصل ذاته؟
فالتواصل، وفق البلاغ، يُقدَّم كوظيفة مركزية مرافقة للتدبير اليومي، لا كنشاط ثانوي. لكن هذا الطرح يفتح بابًا آخر للنقاش: إلى أي حد تحوّل التواصل داخل المؤسسات العمومية من أداة لخدمة السياسات العمومية، إلى غاية في حد ذاته تستهلك جزءًا متزايدًا من الميزانيات؟
ورغم نفي المكتب وجود “صفقة واحدة ضخمة”، والتأكيد على أن الأمر يتعلق بأربع صفقات مستقلة، فإن تجميعها في النقاش العمومي لم يكن اعتباطيًا. فالمواطن لا يقرأ الصفقات بمنطق المحاسبة التقنية، بل بمنطق الأثر والجدوى.
وعليه، فإن تفكيك المبلغ إلى صفقات متعددة لا يُنهي الجدل، بل يعيد طرحه بصيغة أخرى: هل تم تقييم الأثر الحقيقي لهذه الخدمات التواصلية على نسب التسجيل، وجودة الاختيار، ومواءمة التكوين مع سوق الشغل
الأكثر إثارة للتساؤل هو أن هذا الاستثمار المتواصل في التواصل لم يُواكبه، بحسب ملاحظات فاعلين تربويين، تحسن ملموس في صورة التكوين المهني لدى فئات واسعة من الشباب، ولا في جودة التوجيه، ولا في تقليص نسب الهدر أو البطالة في صفوف الخريجين. وهو ما يطرح سؤال النجاعة مقابل الكلفة، لا فقط مشروعية المسطرة.
صحيح أن المكتب مارس حقه في التوضيح، لكن الحق في المعلومة لا يعفي من واجب المحاسبة السياسية والمالية. فالنقاش الدائر اليوم لا يستهدف شخصًا أو مؤسسة بعينها، بل يلامس نموذجًا أوسع لتدبير المال العام، حيث تُطرح باستمرار أولويات الإنفاق في القطاعات الاجتماعية.
وفي ظل سياق اقتصادي صعب، وتنامي مطالب الشباب بالتكوين الجيد والاندماج المهني الحقيقي، يبدو من المشروع طرح السؤال التالي:
هل كان الأولى توسيع دائرة التواصل، أم تعميق جودة التكوين نفسه؟
إن بلاغ مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وإن قدّم توضيحات تقنية وتنظيمية، لم يُنهِ الجدل بقدر ما أعاد توجيهه نحو صلب الإشكال: أي تواصل نريد؟ وبأي كلفة؟ ولخدمة أي نموذج تنموي؟
فالشفافية لا تُقاس فقط باحترام المساطر، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على إقناع الرأي العام بأن كل درهم صُرف كان في مكانه الصحيح.
تعليقات الزوار