برلماني يفضح “اختلالات” مستشفى الجديدة: من صفقات بـ90 مليوناً لشركة واحدة إلى وفاة طفلة بنقص البوتاسيوم

هبة زووم – الجديدة
في وثيقة برلمانية تعد من أخطر ما كُتب عن تدبير المؤسسات الصحية بالمغرب، وجه النائب يوسف بيزيد، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، قنابل موقوتة صوب وزارة الصحة وإدارة مستشفى محمد الخامس بالجديدة، كاشفاً عن “اختلالات خطيرة” تمس صحة المواطنين وحياتهم، في ملف قد يطيح برؤوس مسؤولين ويحيل آخرين على القضاء.
فقد تضمن السؤال الكتابي الذي وجهه البرلماني إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، تفاصيل صادمة حول تدبير الصفقات العمومية وسندات الطلب بالمستشفى، بالإضافة إلى نقص حاد في أدوية وتجهيزات طبية أساسية، وهو ما يشكل – حسب الوثيقة نفسها – تهديداً مباشراً لصحة المواطنين وسلامتهم، في وقت يفترض أن تكون المؤسسات الاستشفائية خط الدفاع الأول عن الحق في الصحة.
وتبدأ تفاصيل الفضيحة مع صفقة الطبخ رقم 77/2025، التي تم الإعلان عنها لمدة ثلاث سنوات، حيث أصدرت إدارة المستشفى سند طلب لاقتناء معدات الطبخ، في إجراء وصفه السؤال البرلماني بـ”المثير للاستغراب”.
فوفق المعطيات الواردة، حصلت شركة على الصفقة رغم ترتيبها في الرتبة الخامسة، ثم تم تكرار اسمها في الرتبة الرابعة بدعوى تقديم سعر أقل، “دون توضيح أسباب عدم إسناد الصفقة إليها حينها، ولا مبرر تكرار نفس الاسم في أكثر من رتبة”، مما يطرح تساؤلات حول منهجية التقييم ومعايير الاختيار المعتمدة.
والأكثر إثارة للانتباه، أن “الشخص الذي أسندت إليه صفقة خدمات الطبخ هو نفسه المستفيد من سند طلب اقتناء معدات الطبخ”، حيث يتكرر اسمه كمسير أو ممثل قانوني في عدة شركات متنافسة، “وهو ما يثير تساؤلات جدية حول شفافية المسطرة واحترام مبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة بين المتنافسين”.
هنا لا نتحدث عن “خلل إداري” عابر، بل عن شبهات احتكار وتواطؤ قد تصل إلى حد الجرائم الاقتصادية، حيث يتحول مبدأ “تكافؤ الفرص” إلى مجرد شعار يزين الوثائق بينما الواقع يشهد على “تفريد” الصفقات لشخص واحد يتنقل بين شركات متعددة.
وينتقل السؤال البرلماني إلى ملف اقتناء وتركيب كاميرات المراقبة، حيث تم إصدار عدة سندات طلب تتعلق باقتناء الكاميرات وكميات كبيرة من الكابلات النحاسية (حوالي 30 ألف متر)، وهو عدد وصفه النائب بـ”الكبير بالنسبة لمؤسسة استشفائية واحدة”، مما أدى إلى تجاوز التكلفة الإجمالية حوالي 90 مليون سنتيم، فيما تم إسناد تركيب الكاميرات بمبلغ يقارب 18 مليون سنتيم، وهو مبلغ وصف بـ”المرتفع مقارنة بطبيعة الأشغال”.
ويلحظ النائب، استناداً إلى معطيات الوثيقة، نمطاً متكرراً يتمثل في حصول نفس الشركة على عدة سندات طلب متتالية تتعلق بصيانة الكاميرات، اقتنائها، تركيبها، إضافة إلى اقتناء الأثاث المكتبي، “رغم وجود شركات أخرى مرتبة في مراتب متقدمة”، مما يعزز الشكوك حول احترام مبدأ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص في إسناد الصفقات العمومية.
أما بخصوص أشغال الإصلاح المعلن عنها سنة 2024، فيشير السؤال إلى أن الإدارة الحالية قامت بصرف مبالغ مالية لفائدة صاحب الصفقة “رغم وجود مؤشرات على عدم إتمام الأشغال بالشكل المطلوب”، خاصة ما يتعلق بالصباغة، الألمنيوم، السباكة، الكهرباء، والإنارة، حيث لا تزال وضعية المستشفى متدهورة حسب المعاينات الميدانية، وعليه يلتمس النائب “التحقق من مدى تنفيذ الأشغال فعلياً قبل صرف المستحقات المالية”.
هنا لا نتحدث عن “تأخير” أو “خلل تقني”، بل عن صرف أموال عمومية دون استحقاق، وهو ما قد يُصنف قانونياً كـ”اختلاس” أو “تبديد للمال العام”، جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي بالسجن والغرامات الثقيلة.
ومن اختلالات الصفقات إلى مأساة إنسانية، ينتقل النائب بيزيد في سؤاله إلى الجانب الأكثر حساسية والأقل قابلية للتأويل: نقص الأدوية والتجهيزات الطبية الحيوية. حيث يشير إلى أن مستشفى محمد الخامس بالجديدة يعاني من خصاص خطير في أدوية أساسية منقذة للحياة، من بينها أمبولات البوتاسيوم الضرورية في أقسام الإنعاش والعناية المركزة، وأمبولات Lasilix المدرّة للبول والمستخدمة في حالات الطوارئ القلبية، وأدوية الكورتيكوستيرويدات المضادة للالتهاب والحيوية في حالات الحساسية والصدمة، بالإضافة إلى نقص في أقنعة الأوكسجين الأساسية لتقديم الدعم التنفسي للمرضى.
ووفق ما تم تداوله محلياً وأورده السؤال البرلماني، فإن “حالة وفاة طفلة صغيرة سجلت بقسم الإنعاش، كانت نتيجة نقص أحد هذه الأدوية الحيوية”، وهو ما يستوجب – بحسب بيزيد – “فتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات والتأكد من ظروف وملابسات الحادث”، في إشارة واضحة إلى أن التقصير في توفير الأدوية الأساسية قد تكون له عواقب إنسانية لا تُحمد عقباها.
كما نوه النائب بغياب جهاز السكانير في المستشفى، رغم أهميته القصوى في التشخيص المستعجل للإصابات والأمراض، مما يضطر المرضى وأسرهم إلى التنقل خارج المؤسسة الصحية نحو مراكز أخرى، في ظروف قد تعرض حياتهم للخطر، خاصة في الحالات الطارئة التي لا تحتمل الانتظار أو التنقل.
هنا يطرح السؤال الذي يفرض نفسه بقوة السكين: كيف يُعقل أن تتوفر الملايين لكاميرات المراقبة، بينما يُفتقد البوتاسيوم الذي يُنقذ الأرواح؟ هذا ليس “تدبيراً سيئاً”، هذا إجرام في حق المواطنين، وتحويل للمال العام من “أداة للعلاج” إلى “أداة للربح” على حساب أرواح البشر.
ولم يكتفِ النائب بيزيد بكشف الاختلالات المالية والطبية، بل طرح سؤالاً وجودياً حول الكفاءة التدبيرية: ما هي المعايير المعتمدة في تعيين مديري المؤسسات الاستشفائية؟ الإشارة المباشرة إلى “مدى توفر السيدة المديرة الحالية على الخبرة المهنية والتجربة التدبيرية اللازمة” ليست مجرد “نقد عابر”، بل اتهام ضمني بعدم الكفاءة، قد يفتح الباب أمام محاسبة سياسية وإدارية للمسؤولين عن هذا التعيين.
فإذا كانت النتائج هي: وفيات بسبب نقص الأدوية، وصفقات مشبوهة بملايين السنتيمات، وأشغال تُصرف مستحقاتها قبل إتمامها، فإن السؤال المشروع: من الذي أوكل هذه المسؤولية لهذا الشخص؟
واستناداً إلى ما سبق من اختلالات ومخاوف، يطالب النائب يوسف بيزيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية باتخاذ تدابير عاجلة تشمل: فتح تحقيق إداري ومالي وتقني شامل في الصفقات وسندات الطلب المشار إليها؛ افتحاص مدى احترام مساطر الصفقات العمومية ومبدأ المنافسة؛ التحقق من مدى تنفيذ الأشغال والتجهيزات قبل صرف المستحقات المالية؛ التحقيق في أسباب نقص الأدوية والتجهيزات الحيوية وتحديد المسؤوليات؛ اتخاذ إجراءات فورية لتأمين الأدوية الأساسية وأجهزة التشخيص؛ وتقييم التدبير الإداري للمؤسسة وفق المعايير المعتمدة.
في النهاية، لم يعد السؤال البرلماني للنائب يوسف بيزيد مجرد “ورقة إدارية” تُرفع وتُؤرشف. إنه اتهام رسمي موثق بأرقام وتفاصيل وأسماء، يضع وزارة الصحة وإدارة المستشفى أمام خيارين لا ثالث لهما: إما فتح تحقيق شامل يُفضح المتورطين، ويُعيد الحقوق لأصحابها، ويُحاسب كل من فرط في صحة المواطنين ومالهم العام؛ وإما الصمت والتستر، وهو ما سيعني اعترافاً ضمنياً بالتواطؤ، وتحميل الوزارة والمسؤولين المعنيين المسؤولية الكاملة عن أي وفيات أو اختلالات مستقبلية.
فالمواطن بالجديدة لا يحتاج إلى وعود. يحتاج إلى أدوية تنقذ حياته، وصفقات شفافة تحمي ماله، ومحاسبة تردع كل من تسول له نفسه العبث بصحة البشر. فإما عدالة تُنصف الضحايا، وإما صمت يُكرس الإفلات من العقاب. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد