رفاق مخاريق يحذرون وزير الفلاحة من “التماطل” الذي يُفرغ الحوار الاجتماعي من مضمونه

هبة زووم – الرباط
أعلنت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن نتائج جولة الحوار الاجتماعي القطاعي التي جمعتها بوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في حصيلة وصفتها النقابة بـ”المختلطة”، بين وعود وزارية طموحة من جهة، وتحذيرات من “التماطل” الذي قد يُفرغ الحوار الاجتماعي من مضمونه من جهة أخرى.
فوفق بلاغ صادر عن الكتابة التنفيذية للجامعة، جدد الوزير الوصي التزامه بالتعجيل بإخراج الأنظمة الأساسية لعدد من المؤسسات العمومية الحيوية، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، وكالة التنمية الفلاحية، معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرية، والمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، وذلك وفق المضامين المتفق عليها سابقاً.
كما شملت الوعود الوزارية الرفع من الميزانية المخصصة لمؤسسة النهوض بالأعمال الاجتماعية للقطاع (FOS-AGRI)، لضمان تعميم الخدمات وتحقيق المساواة بين المركز والجهات، إضافة إلى تسوية الوضعية المالية لموظفي الوكالة الوطنية للمياه والغابات بناءً على اتفاقات سابقة.
لكن وراء هذه الوعود، تبرز إشكالية جوهرية: لماذا تتعثر ملفات استراتيجية تشغل بال الآلاف من الشغيلة الفلاحية، رغم وضوح الاتفاقات وجاهزية النصوص؟ تجيب النقابة بصراحة: “تعنت وزارة الميزانية وجهات حكومية أخرى” هو العائق الرئيسي، في إشارة واضحة إلى أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي دون تمويل كافٍ وتنسيق حكومي فعال.
وشهد اللقاء نقاشاً موسعاً حول الملفات المطلبية العالقة، التي تُعتبر حجر الزاوية في إصلاح القطاع الفلاحي. ففي مقدمة هذه الملفات، يأتي تسريع إخراج الأنظمة الأساسية الخاصة بمؤسسات حيوية كالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، وكالة التنمية الفلاحية، ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرية.
هذه المؤسسات، التي تشكل العمود الفقري للسياسة الفلاحية الوطنية، لا تزال تنتظر تحديث أطرها القانونية والمهنية، مما يُعيق تطورها ويُضعف قدرتها على مواكبة التحديات الراهنة.
كما تم التطرق إلى قضية إدماج حاملي الشهادات غير المرتبين في السلالم المناسبة، وهي ملف اجتماعي حساس يتعلق بمستقبل آلاف الشباب المتخرجين من المعاهد الفلاحية، والذين ينتظرون الاعتراف بمؤهلاتهم وضمان مسار مهني لائق.
وفي نفس السياق، طالبت النقابة بمضاعفة ميزانية مؤسسة الأعمال الاجتماعية (FOS-AGRI)، لضمان تكافؤ الفرص بين الموظفين في المركز والجهات، وهو مطلب يعكس فجوة مجالية عميقة في الاستفادة من الخدمات الاجتماعية.
وعلى مستوى القضايا الإدارية والتقنية الملحة، أعطى الوزير توجيهاته للوفد الإداري بضرورة تسريع وثيرة المفاوضات لتعديل الأنظمة الأساسية لمستخدمي الغرف الفلاحية وشركة “سوريك”، معلناً عن توجه نحو مركزة صرف رواتب موظفي الغرف لتجاوز معضلة التأخر المتكرر في الأداء، وهي مشكلة مزمنة أثقلت كاهل الموظفين وأثرت على مردوديتهم.
كما تم الاتفاق على عقد لقاء دراسي تحت إشراف مديرية الموارد البشرية لتوحيد المساطر وتنزيل النظام الأساسي للمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي بشكل سليم، بما يضمن إنصاف المقصيين من التعويض عن السكن وصرف منحة العيد عبر الجمعيات.
وفي خطوة مهمة، التزمت الوزارة بإخراج القانون المحدث لمؤسسة الأعمال الاجتماعية لوكالة المحافظة العقارية ووضعه في المسطرة التشريعية، ورفع الموانع القانونية لتمكين المتقاعدين والمؤسسات الحديثة من الالتحاق بخدمات مؤسسة الأعمال الاجتماعية للقطاع الفلاحي.
أما على الصعيد اللوجستيكي والاجتماعي المباشر، فتعهدت الوزارة بجرد وحماية المنشآت والأراضي العارية التابعة لها وتعبئتها لإنشاء تجزئات سكنية لفائدة الموظفين، مع التأكيد على فتح مخيم السعيدية أمام موظفي الجهة الشرقية وتعميمه لاحقاً.
كما شملت التعهدات الرفع من الغلاف المالي للتعويضات عن التنقل وتوفير الإمكانيات لصرفها الفعلي لموظفي المصالح الخارجية، وإصلاح البنايات الإدارية المتهالكة، وتمكين الموظفين في وضعية إعاقة من وسائل عمل تراعي خصوصيتهم.
وفي شق التكوين، تم التأكيد على تأهيل البنيات التحتية للمعاهد والمدارس الفلاحية وتجديد تجهيزاتها البيداغوجية، مع تحسين ظروف تدريب وإيواء الطلبة وتعميم نظام “الممرات” لضمان تساوي الفرص بين جميع المتدربين.
هذه الإصلاحات، إن نُفذت بجدية، قد تُحدث نقلة نوعية في جودة التكوين الفلاحي، وتُساهم في تخريج كفاءات قادرة على مواكبة تحولات القطاع.
أما بخصوص القطاع الخاص والفلاحين، فقد أكد الوزير مواصلة العمل مع وزارة التشغيل لضبط مراحل تحقيق المساواة في الحد الأدنى للأجور (SMAG) ليصل إلى مستوى القطاعات الأخرى بحلول سنة 2028، تفعيلاً للالتزام الحكومي. هذا التعهد، إن التُزم به، سيشكل خطوة تاريخية نحو عدالة اجتماعية أوسع في عالم الشغل الفلاحي، الذي طالما عانى من تفاوتات مجحفة في الأجور.
كما التزمت الوزارة باستكمال مشاريع فك العزلة وبناء الطرق بإقليم اشتوكة آيت باها، وتعديل الاتفاقات الخاصة بعمال «ضيعات الدولة» المتضررين.
وفي شق الحريات النقابية، شدد الوزير على مأسسة الحوار عبر دورات دورية مرتين في السنة، والالتزام بإنصاف المستخدمين المتضررين من الشطط في استعمال السلطة بسبب انتمائهم النقابي، خاصة في الغرف الفلاحية بالداخلة وكلميم.
كما تم الاتفاق على العمل على تصحيح وضعية الموظفين القادمين من قطاع المياه والغابات بإعادتهم لأماكن تعيينهم الأصلية قبل إنهاء الإلحاق، في خطوة تهدف إلى استقرار الموارد البشرية وحماية الحقوق الإدارية.
ورغم هذه الحزمة من الوعود التي قد تبدو طموحة على الورق، سجلت الكتابة التنفيذية للجامعة بأسف شديد استمرار تعثر ملفات استراتيجية تشغل بال الآلاف من الشغيلة الفلاحية، مرجعة ذلك لما وصفته بـ”تعنت” الوزارة المكلفة بالميزانية وجهات حكومية أخرى.
واعتبرت النقابة أن هذا التماطل يكاد يفرغ الحوار الاجتماعي من مضمونه ويراكم انتظارات الموظفين الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة.
وفي تصريح يحمل نبرة تحذيرية، أكدت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي أنها بصدد إحالة هذه النتائج على المكتب الجامعي لتقييم الموقف النهائي واتخاذ القرارات النضالية المناسبة رداً على عدم الوفاء ببعض الالتزامات المالية والتشريعية.
هذا التهديد بالتصعيد، إن ترجم على الأرض، قد يُعيد فتح ملف التوتر الاجتماعي في القطاع الفلاحي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استقرار اجتماعي لتعزيز مسارها التنموي.
في المحصلة، يُطرح سؤال المصداقية كعقدة مركزية في هذا الحوار الاجتماعي: فكم من الوعود الوزارية السابقة تحولت إلى أفعال ملموسة؟ وكم من الملفات “المؤجلة” وجدت حلاً نهائياً؟ إن نجاح الحوار الاجتماعي في القطاع الفلاحي لا يُقاس بعدد البنود المتفق عليها، بل بنتائج ملموسة تُغير حياة الشغيلة الفلاحية وتُنعش القطاع.
فإذا أرادت الحكومة فعلاً إنقاذ الحوار الاجتماعي من أزمة المصداقية، فلا بد من تفعيل آليات المتابعة، وتجاوز “تعنت الميزانية”، والشفافية في التواصل، والاستجابة السريعة للملفات العاجلة.
الشغيلة الفلاحية لا تحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى أفعال تُنصفهم وتُعيد الثقة في الحوار الاجتماعي كأداة للتغيير. فإما وفاء بالالتزامات يُعيد الأمل، وإما استمرار في التماطل يُغذي الغضب. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الإرادة لقطع مسلسل الانتظار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد