هبة زووم – الدار البيضاء
لم يعد الجدل المثار حول تدبير البنك الشعبي منذ تعيين نزيهة بلقزيز مجرد نقاش عابر داخل الأوساط المالية والاقتصادية، بل تحول إلى سؤال حقيقي حول طبيعة الأولويات التي تحكم واحدة من أكبر المؤسسات البنكية بالمملكة.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المتتبعون أن تنصب الجهود على تطوير الخدمات البنكية وتعزيز التنافسية ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، يبدو أن صفقات التهيئة والتجهيز والإصلاح أصبحت العنوان الأبرز لمرحلة تدبير نزيهة بلقزيز، رئيسة المديرة العامة للبنك الشعبي.
وتثير وتيرة هذه الصفقات وحجم الاعتمادات المرصودة لها الكثير من علامات الاستفهام، خاصة عندما يتعلق الأمر بإعادة تهيئة وتجهيز فضاءات ومكاتب داخل المقرات التابعة للمؤسسة، في وقت تتزايد فيه المطالب بترشيد النفقات وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للزبناء.
ويعتبر متابعون أن المؤسسة البنكية لا يمكن أن تتحول إلى ورش دائم للإصلاحات والتجهيزات دون أن يطرح ذلك أسئلة مشروعة حول الجدوى الحقيقية لهذه النفقات، وحول مدى انسجامها مع الأولويات الاستراتيجية للبنك في ظرفية اقتصادية دقيقة تتطلب أقصى درجات الحكامة والنجاعة في تدبير الموارد.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام المالي مؤشرات واضحة على تطوير الأداء وتحسين المردودية، تتجه الأنظار نحو سيل من الصفقات التي أصبحت تستأثر باهتمام المتابعين أكثر من المؤشرات المرتبطة بالابتكار أو توسيع الخدمات أو تعزيز الحضور الاقتصادي للمؤسسة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في الحاجة إلى التحديث أو التهيئة، فذلك يبقى أمراً طبيعياً داخل أي مؤسسة كبرى، لكن الإشكال يكمن في غياب التواصل الكافي حول مبررات بعض المشاريع وكلفتها وأهدافها ونتائجها المنتظرة، الأمر الذي يفتح الباب أمام التأويلات ويغذي الشكوك حول أولويات الإنفاق.
ففي المغرب، كانت الصفقات العمومية وشبه العمومية دائماً مجالاً حساساً يستدعي أعلى درجات الشفافية والوضوح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تدبر مليارات الدراهم وتتحمل مسؤولية اقتصادية واجتماعية كبرى.
وإذا كانت الإدارة الحالية تعتبر أن هذه المشاريع تدخل في إطار تحديث المؤسسة، فإن من حق المتابعين والمهتمين بالشأن المالي أن يتساءلوا عن حجم القيمة المضافة التي تحققها هذه النفقات، وعن المعايير المعتمدة في اختيار الشركات المنفذة، وعن آليات المراقبة والتتبع والتقييم.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه البنك الشعبي اليوم لا يكمن في عدد الصفقات التي يتم إطلاقها، بل في قدرته على إقناع الرأي العام بأن كل درهم يتم إنفاقه يخدم فعلاً تطوير المؤسسة وتعزيز مكانتها، لا أن يتحول إلى مصدر جديد للجدل والنقاش.
وفي النهاية، فإن أي مؤسسة مالية كبرى لا تُقاس فقط بحجم استثماراتها أو عدد مشاريعها، بل بقدرتها على ترسيخ الثقة والشفافية والحكامة الجيدة. وهي المبادئ التي تظل الضامن الأساسي لاستمرار المؤسسات وحماية سمعتها وتعزيز مصداقيتها أمام زبنائها وشركائها والرأي العام.
تعليقات الزوار