موظفو التعليم العالي يصعّدون.. الإضراب الوطني يعود إلى الواجهة والوزارة أمام اختبار الحوار
هبة زووم – الرباط
دخل الصراع النقابي داخل قطاع التعليم العالي والأحياء الجامعية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما قرر التنسيق الثنائي المكون من النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، والجامعة الوطنية لقطاع التعليم العالي، التابعة للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM)، الانتقال إلى المرحلة الثالثة من برنامجه النضالي.
القرار، الذي جاء عقب اجتماع تقييمي عقده التنسيق يوم الخميس فاتح أكتوبر 2026، يتضمن خوض إضرابات وطنية سيتم الإعلان عن تفاصيلها لاحقاً، إلى جانب تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وأخرى أمام وزارة الاقتصاد والمالية، فضلاً عن الاحتجاج أمام البرلمان.
وبذلك، لا يبدو أن الملف المطلبي لموظفي التعليم العالي يتجه نحو التهدئة في المدى القريب، خصوصاً بعدما اختارت النقابتان نقل الاحتجاج من مستوى الوقفات القطاعية إلى محطات أكثر اتساعاً، تستهدف الجهة الوصية والجهات الحكومية المرتبطة بالملفات ذات الكلفة المالية.
في قلب التصعيد الجديد يوجد مطلب إخراج النظام الأساسي الخاص بموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، وهو ملف ظل حاضراً في الاحتجاجات النقابية خلال الأشهر الماضية.
فقد سبق لموظفي القطاع أن خاضوا محطات احتجاجية خلال شتنبر، من بينها إضراب وطني أيام 8 و9 و10 شتنبر، ووقفة أمام وزارة التعليم العالي يوم 9 شتنبر، في سياق المطالبة بإخراج النظام الأساسي ومعالجة عدد من الملفات المهنية والاجتماعية.
واللافت أن استمرار الملف على طاولة الاحتجاج يطرح سؤالاً أساسياً حول مآل النقاشات السابقة: لماذا لم يتحول التفاوض إلى نصوص وقرارات ملموسة يشعر بها الموظفون؟
فالنقابات تقول إن مرحلة الانتظار طالت، بينما يبقى الموظف الجامعي أمام ملفات مهنية ومالية وإدارية تتطلب أجوبة واضحة، وليس فقط وعوداً بمواصلة الحوار.
اختيار وزارة الاقتصاد والمالية كعنوان لمحطة احتجاجية جديدة يحمل دلالة خاصة، فالتنسيق النقابي يعتبر أن جزءاً من مطالبه يرتبط بقرارات ذات انعكاس مالي، وبالتالي فإن استمرار توجيه الاحتجاج نحو الوزارة الوصية وحدها لا يكفي، في نظر النقابتين، إذا كانت بعض الملفات تحتاج إلى ترتيبات أو موافقات مالية من قطاعات حكومية أخرى.
وهنا يصبح السؤال عملياً: هل توجد فعلاً ملفات جاهزة للحسم وتنتظر فقط الغطاء المالي؟ أم أن الخلاف ما زال قائماً حول طبيعة الحلول نفسها؟
الجواب عن هذا السؤال يظل مسؤولية الجهات الحكومية المعنية، خصوصاً أن غياب توضيحات تفصيلية حول مراحل معالجة الملفات يترك المجال مفتوحاً لاستمرار التوتر بين الإدارة والنقابات.
ولا يقتصر الملف على النظام الأساسي أو المطالب ذات الانعكاس المالي، فالتنسيق النقابي يضع أيضاً الخصاص في الموارد البشرية ضمن الملفات الأساسية، وهو مطلب سبق أن رفعته نقابات القطاع خلال المحطات الاحتجاجية السابقة، إلى جانب تحسين ظروف العمل وتسوية أوضاع فئات مهنية مختلفة.
وهذا الملف تحديداً يرتبط بشكل مباشر بسير المؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية، لأن أي خصاص كبير في الموظفين ينعكس، في النهاية، على حجم الأعباء والمهام وعلى جودة الخدمات الإدارية والاجتماعية المقدمة للطلبة.
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تختزل فقط في قيمة الزيادة في الأجور أو موعد إخراج النظام الأساسي، بل تحتاج أيضاً إلى رؤية واضحة للموارد البشرية وحاجيات المؤسسات الجامعية.
التنسيق النقابي اختار التصعيد، ودعا في المقابل باقي الفرقاء النقابيين إلى التكتل وتنسيق العمل الميداني، لكن في الجهة الأخرى، تظل الحكومة مطالبة بتقديم أجوبة واضحة حول الملفات المطروحة، لأن استمرار الاحتجاجات دون مسار تفاوضي منتج لا يخدم لا الموظفين ولا المؤسسات الجامعية.
كما أن النقابات، من جهتها، مطالبة بجعل التصعيد وسيلة للضغط من أجل حلول قابلة للتنفيذ، وليس غاية في حد ذاته، وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن المرحلة المقبلة ستضع الطرفين أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع طاولة الحوار إنتاج اتفاقات واضحة ومؤطرة بآجال، أم أن الإضرابات والوقفات ستتحول إلى المسار الوحيد لإدارة الخلاف؟
المؤكد أن موظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية انتقلوا، وفق قرار التنسيق الثنائي، إلى مرحلة ثالثة من الاحتجاج. أما إنهاء مسلسل التصعيد، فيبدو مرتبطاً بمدى قدرة الحوار القطاعي على الانتقال من لغة الوعود والتأجيل إلى قرارات محددة، وآجال معلنة، وحلول قابلة للقياس والتنفيذ.