من مراقبة المسؤول إلى تلميع صورته.. هكذا أصبحت “صحافة التنكيف” تضرب الحكامة في كلميم

هبة زووم – علال الصحراوي
ارتبطت “النكافة” في المخيال الشعبي المغربي بمهنة تزيين العروس والاحتفاء بمحاسنها وإبرازها في أجمل صورة خلال ليلة العمر. غير أن نقل هذا المفهوم، على سبيل المجاز، إلى المجال الإعلامي تحت مسمى “صحافة التنكيف” يكشف عن ظاهرة أكثر خطورة من مجرد انحراف في أسلوب الكتابة، لأنها تمس جوهر الوظيفة الصحفية وعلاقتها بالحكامة والمصلحة العامة.
فحين يتحول القلم من أداة لمراقبة المسؤول إلى وسيلة لتلميع صورته، ومن منبر لنقل انشغالات المواطنين إلى منصة لتبرير الإخفاقات، يصبح الإعلام جزءاً من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل.
في كلميم، كما في غيرها من المدن، لا تكمن الخطورة فقط في وجود خطاب إعلامي يميل إلى المجاملة، وإنما في النتائج التي يمكن أن تنتج عن هذا النوع من الممارسة، فالمسؤول الذي لا يجد أمامه أسئلة محرجة، ولا تحقيقات جادة، ولا مساءلة حول تدبير المال العام والمشاريع والخدمات، قد يجد نفسه محاطاً بصورة إعلامية وردية لا تعكس بالضرورة حقيقة الواقع الذي يعيشه المواطن.
وهنا تتحول “صحافة التنكيف” إلى ما يشبه مكياجاً رقمياً للحكامة؛ تخفي العيوب، وتبرز الإنجازات الصغيرة، وتضخم المبادرات العادية، وتتعامل مع المسؤول باعتباره شخصية ينبغي الاحتفاء بها بدل اعتباره مسؤولاً عمومياً مطالباً بتقديم الحساب.
المشكلة إذن ليست في الإشادة عندما تكون مستحقة، ولا في نقل الأنشطة الرسمية، ولا في إبراز المشاريع المنجزة، فالصحافة المهنية ليست مؤسسة للجلد الدائم، كما أنها ليست وكالة علاقات عامة. جوهرها هو التوازن، والتحقق، وطرح الأسئلة، ووضع المسؤول أمام الوقائع والأرقام والنتائج.
أما حين يصبح الخبر مجرد إعادة إنتاج لبلاغات المسؤولين، وحين تتحول الصور واللقاءات إلى مادة دعائية، وحين تختفي الأسئلة بمجرد اقترابها من الملفات الحساسة، فإن الصحافة تفقد إحدى أهم وظائفها: مراقبة السلطة ومساءلة من يتولى تدبير الشأن العام.
والأخطر أن بعض ممارسات “التنكيف” لا تقوم بالضرورة على الدفاع الصريح عن المسؤول، وإنما على صناعة صورة ناعمة حوله، عبر انتقاء الأخبار، وتجنب الملفات المزعجة، وإبراز العلاقات الشخصية، وتقديم كل مبادرة على أنها إنجاز استثنائي.
وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام واقعين متوازيين: واقع يعيشه في الشارع، بما يحمله من مشاكل في الخدمات والمرافق والبنيات والتدبير، وواقع آخر تصنعه بعض المنابر، حيث كل شيء يسير على ما يرام.
وهذه الازدواجية لا تخدم المسؤول نفسه على المدى البعيد، لأن المسؤول الذي لا تصله الانتقادات الحقيقية قد يفقد القدرة على رؤية مكامن الخلل، الإعلام الذي يجامل السلطة لا يحميها، بل يحرمها من المرآة التي تحتاج إليها لتصحيح أخطائها.
أما أخلاقياً ومهنياً، فالمسألة أكثر تعقيدا، فالصحفي عندما يدخل في علاقات شخصية مع مصادره، أو يجعل القرب من المسؤول معياراً للمعالجة الإعلامية، يصبح معرضاً لتحويل المهنة من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن المصلحة.
وهنا يظهر الفرق بين الذكاء المهني والانتهازية، فالذكاء الصحفي هو القدرة على الوصول إلى المعلومة، والتحقق منها، وفهم سياقها، وطرح الأسئلة التي قد لا يرغب المسؤول في سماعها. أما تحويل العلاقات إلى وسيلة للوصول إلى الامتيازات، أو استعمال المعلومات للضغط والمساومة، أو توزيع المديح مقابل القرب، فذلك شيء آخر تماماً.
كما أن المهنية تقتضي ألا تتحول الخصومة الشخصية إلى مادة إعلامية، وألا يصبح رفض مسؤول تقديم خدمة شخصية سبباً لمهاجمته، كما لا ينبغي أن يتحول تقديم خدمة أو معلومة إلى مبرر للثناء عليه، فالصحافة ليست سوقاً للمقايضة: لا المعلومة تُباع بالمديح، ولا النقد يُشترى بالخدمة.
ومن أخطر مظاهر الانحراف أن تتحول العلاقات المهنية إلى شبكة من المجاملات المتبادلة: مسؤول يمنح القرب، وصحفي يمنح التغطية؛ مسؤول يفتح الأبواب، ومنبر يفتح الصفحات؛ ثم يجد المواطن نفسه خارج هذه المعادلة، رغم أنه المفترض أن يكون المستفيد الأول من العمل الصحفي ومن جودة الحكامة.
في هذه الحالة، لا تعود المشكلة مشكلة صحفي أو مسؤول بعينه، وإنما تصبح مشكلة بيئة كاملة تسمح بتداخل الإعلام بالمصلحة، وتضعف الحدود بين الخبر والدعاية، وبين النقد والتشهير، وبين العلاقة المهنية والعلاقة الشخصية.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الإعلام المهني في كلميم لا يعني مهاجمة الصحفيين، بل يعني طرح سؤال أكبر: أي إعلام نريد لهذه المدينة؟ هل نريد إعلاماً يراقب المشاريع والصفقات والميزانيات، ويسأل عن أسباب التأخر والكلفة والنتائج؟ أم إعلاماً يكتفي بتغطية الاجتماعات والزيارات وتلميع الصور؟
هل نريد صحافة تسأل المسؤول: ماذا أنجزت؟ وماذا تعثر؟ ولماذا؟ وكم كلف المشروع؟ ومن استفاد؟ وما هي آجال التنفيذ؟ أم صحافة تكتفي بالتصفيق لكل ما يصدر عن المسؤول؟
الحكامة الجيدة تحتاج إلى إعلام قوي ومستقل ومهني، لأن غياب المساءلة الإعلامية يخلق بيئة مواتية لتراكم الأخطاء دون نقاش عمومي حقيقي، ولهذا، فإن معركة كلميم ليست ضد شخص أو منبر، وإنما ضد ثقافة التطبيل والتبرير والتجميل الإعلامي أياً كان مصدرها.
فالصحافة التي تضع المكياج على وجه الاختلال لا تعالج الاختلال، والصحفي الذي يكتفي بترديد ما يريد المسؤول سماعه لا يؤدي الوظيفة التي ينتظرها منه المجتمع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً هو نفسه الأكثر أهمية: حين تتحول الصحافة من عين تراقب الحكامة إلى مرآة تجمل وجهها، فمن سيراقب من؟ ومن سيخبر المواطن بالحقيقة التي لا تظهر في الصور الرسمية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد