الواقع بين سؤال العمل وأزمة البديل محاولة في مساءلة الواقع المغربي
/ عبد المجيد بن شاوية
الحديث عن الأزمة يكاد أن يكون منقطع النظير في التداولات الخطابية على ألسنة المغاربة، وفي كل الأوساط الاجتماعية، إلا أن الإجابة عن ماهية البديل – مع استثناءات قليلة – يكون من وحي التصور اللاأدروي .
بالنظر إلى حجم الإشكاليات في خضم حياة المغاربة وواقعهم اليومي ، سلوكا وعملا وخطابا ، يتضح بشكل جلي ، ذلك العبث السيزيفي ، في مواجهة إشكالياتهم ، المتجلي في غياب التأمل النظري المنظم ، المبني على مساءلة واقعهم التاريخي والاجتماعي ، بكافة مستوياته ، وكذا انعدام الإرساء التام للمفاهيم العقلانية في طرحهم لهذه الإشكاليات والإجابة عنها وفق أطروحات بديلة تحسم نهائيا مع الرؤى والتصورات غير المنطقية واللاعقلانية ، وإن وجدت بشيء من النسبية ، فإنها لا تتحول إلى مشاريع وبرامج عمل والدخول في التطبيق لها من جهة الاقتناع والمتابعة والاستمرارية في التجسيد الفعلي والعملي ، حيث تطرح الإشكالية التاريخية والحضارية في العلاقة القائمة بيننا وبين البدائل الممكنة والتي تتحول إلى علاقة مأزومة بين ما نفكر فيه وبين ما يمكن إنجازه , إذن ، هناك اختلالات ما في تركيباتنا وتشكلاننا في جميع مكونات أنساقنا ، سواء منها الاجتماعية أو السياسية ، الفكرية أو الثقافية ،الاقتصادية أو التربوية ، النفسية أو المعتقداتية والإيمانية ، إن ما نعيش عليه هو كونه من صميم ما نتصوره على كافة الأصعدة ، ومما نستبطنه من إيمانات وعقائد اتجاهها ، وما نتمثله من حلول ومخارج وبدائل لها ، وأن العمل على / في هو فكرة ورغبة وإرادة ثم إنجاز وتطبيق ، وقيمة اجتماعية وفعالية إنتاج إنساني بمحددات اجتماعية ونفسية وثقافية وتربوية وسياسية واقتصادية مادية ، من حيث إنه ( العمل) فكرة / إرادة / إلى كونه إنجاز / قيمة / فعالية إنتاج مرورا بدوافعه على علاتها ، ولاعتبار قيمي يشكل العمل ” مجموع القيم المعمول بها في حيواتنا الخاصة والعامة لتعمل عل تكوين ” روح موضوعي ” يؤطر ويوجه سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات على اختلاف مستوياها ، ومن بالذات تتم الإجابة عن أسئلة الإشكاليات وطرح البدائل .
إذن ، لئن كان السؤال التقليدي في حياة الكائن الإنساني والاجتماعي ، والمتجدد مع الاستمرارية في طرحه ، في كل مراحل التاريخ الإنساني والحضاري ، ” ما العمل ؟ ” ، هو عملية فكرانية وعقلية مستمرة تلزمه ضرورات الوجود الإنساني ، وتحتمه الأزمات والشدائد وعوائد الزمان ، وتفرضه الرغبة في الخلاص من الانتكاسات والأمراض الاجتماعية والتاريخية ، فإن البديل هو عملية انتقاء وتصنيف الحلول من بين ما تم التفكير فيه بصدد العرض والوصف لإشكاليات الواقع الأزماتي وتجاوز المعضلات المطروحة ، ومن ثم الدخول في عملية التطبيق الأولويتي في المعالجة والوقاية من خلال إجراءات ومساطر واليات ، يتم العمل بها وإنجازها في شخص خطط عمل واضحة المعالم ومسطرة الأهداف وغايات سامية تخدم الكائن الاجتماعي في كل مناحيه ومستوياته ، فإذن ، أين نحن من هذه الخطاطة النظرية في علاقاتنا بأزماتنا البنيوية الملجمة لعجلة التاريخ التقدمي والحضاري الإبداعي .
بالرجوع إلى خطابات الإنسان المغربي المتداولة في جميع منتدياته الأسروية والشارعية وفي شتى من مؤسساته ، نلمس ذلك الخطاب المأزوم بشكل واضح وبين لا غبار على عباراته ولا لبس في فهمه الأزموي من خلال ما تأمله وما تم التفكير فيه ، لأنه يعتبر إفراز لتأمل وتفكير بشكل من الأشكال ، إلا أنه من أي نوع وصنف من التأملات والتفكيرات ؟ فعبارات الثقافة الشعبية من مثل ” سلك ” و ” عد ” و ” قض ” وغير ذلك توحي بانعدام العمل العقلي والتأمل النظري المنطقيين ، وبالطرح الانتهازي في التعامل مع واقعه ! ! لأنه لا يريد ولا يرغب في الإجهاد العقلي والفكري ويحضر ذلك الأخر الغريزي بكل معطياته ذات الطبيعة البيولوجية المشتركة مع الكائنات اللاإنسانية الأخرى .
فقد تميز الإنسان بكونه صاحب عقل ونظر ، وتاريخ واجتماع ، وحضارة وإبداع ، وقول وكلمة صوتية مميزة ، وكائنا هادفا وغائيا ، وصاحب قلم وصناعة ومعمار وإعمار ، إذن ، هل بهذه الخطابات المتداولة ، أمكننا نحن المغاربة رسميين وجماهير تعقل أشياءنا وعوالمنا ، وأمكننا بذلك ، تصور ما نعيشه من وقائع وأحداث بداخل وضعنا الخاص والعام ، ومن ثمة عملنا على مساءلة ودراسة إشكالياتنا ، واتخاذنا للقرارات والبرامج وخطط العمل من أجل إحداث القطائع مع كل أزماتنا ، ليتم في نهاية الأمر تحديد المصير ببدائل حضارية هادفة وغائية في التقدم والقضاء على التخلف والفقر البنيويين ، والعمل على إنجاز مفاهيم الثورة الممكنة ومقولاتها ، على الذات والمجتمع ، على الواقع والتاريخ ، لنطرح السؤالين التاليين : أين نحن من الثورة الممكنة والمنشودة على الذات والتاريخ ؟ وأين نحن من الأطروحات الفكرية والثقافية لأعلامنا المفكرين والمثقفين والسياسيين والباحثين ، فكم كتبوا وتداولوا وحاضروا وناظروا ، وكم حللوا ودرسوا ونقدوا وأبدعوا ، هل تم تجميع ما أوجدوه من كتابات وتحليلات ودراسات في جذاذات ورسومات وبيانات وخطاطات لبرامج عملية ، سياسيا ، ثقافيا ، تربويا ، اجتماعيا ، اقتصاديا ، من أجل مشروع حضاري وطني يحسم مع السائد الأزماتي ؟
إن استشرافات المستقبل لا تكون بالخطابات الأزموية ، بل بالتأمل والنظر العقليين ، ولا بالانفعالات المجانية ، بل بالتفاعلات الإيجابية والهادفة في كيمياء الاجتماعي بالمفهوم العام ، ولا بالإدبار بالخلف في وجه التيارات الجارفة ، بل بالمواجهة والصمود بتاكتيك الدفاع والهجوم ، واكتساح فضاءات التقدم العلمي والحضاري ، ولا بتحميل المسؤولية للأقدار الإلهية ، بل بمدى الفعل والعمل بشكل مسئول ، ومدى تحمل مسؤولية الأعمال والسلوكات والتصرفات في كل مجالات حياتنا الفردية والجماعية ، ولا بإلقاء اللوم على التاريخ والآخر ، بل بتحديد المسؤوليات والمواقع والمراكز بدقة ، وبالعقلانية في تفكيك وشرح ودراسة الواقع التاريخي والاجتماعي والحضاري ، وبالإدراك والوعي والفهم لموازين القوى حضاريا في علاقتنا بالآخر ، وغير ذلك من حضور التفكير السلبي والقضايا الشائكة وغيابات أخرى بفعل الاستلابات المتعددة والمحددات السالبة والحاجبة للعقل والمعرفة العلمية والتفكير التقدمي .
إن خانات أزماتنا تؤكد بوضوح ما سبق تقريره ، فهاهي الأزمة السياسية القائمة على قواعد خارجة عن إطار الفكر السياسي العلمي ، سواء بمفاهيمها ومحدداتها أو ومؤسساتها ، وكذا الأزمة الاجتماعية المبنية على اللاتنظيم المدني وعلى الفوضى والتسيب وعلى ” الأهلية المؤسساتية ” في شخص الارتباطات العضوية بين الأفراد والجماعات ، وعلى الكبت والحرمان البنيويين في كل مجالات حياة الإنسان المغربي الجماهيري ، مما يؤثر على سيرورات البناء الحضاري وفق ” روح موضوعي عام ” تنصهر فيه كل الإرادات والتطلعات من أجل غد تاريخي / حضاري مستقبلي .
إن شيوع المصالح الفر دانية والطروحات الانتهازية تشكل بحد ذاتها عقبى نحساء في وجه مستقبل أفضل ، وكذلك الأزمة الثقافية والتربوية ، المشخصة في عدم تحديد تصورات دقيقة ووازنة لمشروع ثقافي تربوي ، ينهي علاقاتنا بالمسالك والبرامج المستوردة ، وتلكم الأزمة الاقتصادية المجسدة في عجز الميزان التجاري الخارجي ، والديون المتراكمة ، والاقتصاد غير المنظم والريعي ، والقطاع الخدماتي الفج والمشاريع الاقتصادية الأهلية ، والدخول الفردية المزرية ارتباطا بالقوة الشرائية المعدمة للأساسيات والضروريات ، فأحرى بها من الكماليات ، والعقلية الباطرونية في المجال الاقتصادي في ارتباطها بالتفكير الاقتصادي والتنموي ، وانعدام إرادتها في خلق المشاريع الاستثمارية الكفيلة بالنهوض بالمغرب إلى مراتب الاقتصاديات المتقدمة ، والتهرب الضريبي النابع من الإحساس اللاوطني الوقح ، إضافة إلى التسويف والمماطلة في المعاملات الاقتصادية مع الإجهاز على الحقوق المترتبة عليهم من جهة المستخدمين والعاملين في القطاعات الاقتصادية ، نسف الاقتصاد الوطني بتزوير المستندات والوثائق بداخل المؤسسات المالية الوطنية وميزانيات الشأن العام والجماعات المحلية الترابية سواء محليا أو إقليميا أوجهويا ، وغير ذلك من تفشي سلوكات لا وطنية ولا حضارية في هذا المجال ، وتلكم مرة أخرى الأزمة الأخلاقية ، أقل ما يقال عنها ، إنها تعدم إنسانية الإنسان وكرامته وشرفه وعرضه ، وازمات أخرى لا عد لها ولا حصر ؛ أزمة العمل الجمعوي ، الأزمة البيئية والقانونية ، التفكك الأسروي الذي ينعكس على الأجيال في التكوين والتربية النفسية ، أزمة البنيات التحتية التي لا تسعف في الدفع بالتطلعات والطموحات سواء في الرواج الاقتصادي أو في التواصل الثقافي و الاجتماعي ، أو الحد من الهجرة السلبية ، أو في خلق المشاريع الاقتصادية للقضاء على البطالة والفقر وكافة مظاهر التعطيل ، أو في الأمن الصحي ، وأزمة الإعلام و البحث العلمي أزمة مواطنة وحقوق أدمية ، أزمة عدالة وقضاء ، أزمة إدارة وغير ذلك .
فمن داخل هذا كله ، هل تسعفنا العبارات والمقولات – من مثل التي مرت معنا – المتداولة في أوساط الجماهير الشعبية وفي غالبية المؤسسات على إيضاح الرؤية وإيجاد البدائل الممكنة والحلول الناجعة لتجاوز الأزمة الشمولية التي المغرب اليوم ؟
فأول رفض في هذا المجال للوقوف على حقيقة مصائرنا ، هو رفض المقولات الخطابية السلبية والغيبية ومعادلاتها بإجراءات عملية إيجابية وهادفة ، مع المحاسبة والنقد لكل فعل وسلوك ، وامتلاك الأدوات العلمية لتحليل الواقع ودراسة إشكالياته والحسم معها حتى لا تبقى من مثل مقولات ” الله أعلم ” و” سير على الله ” عند الحديث عن البدائل ، ذات طبيعة خطابية تجريدية بشكل سلبي عند المساءلة والنقد للواقع في معادلة المحاسبة والنقد الذاتي والاجتماعي في علاقاتنا بسلوكنا اليومي بكافة تلاوينه وكيفيات اشتغالنا على جميع الأصعدة والمستويات ( في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة .
.
.
) ، ومن ناحية ما ، إن العلم الإلهي جل جلاله ، كان ولازال أزليا ، منذ أن خلق الله تعالى ووضع أركان هذا الكون ، وأرسى نواميسه وقوانينه بداخل منظوماته ، وأقدارنا الاجتماعية بكافة مستوياتها مرتبطة بمقومات النظام الاجتماعي بالمفهوم الشامل ، ولذا وجب على الإنسان المغربي إعادة النظر في ارتباطه مع كل المقولات المتداولة والخطابات الشائعة .
وفي الأخير ، سؤال العمل والطرح البديلي ، سيبقيان ملازمين لنا نحن المغاربة وغيرنا على مر التاريخ ، انطلاقا من الحاضر ، وتختلف مستويات مقاربتهما وفق تصورات الكائن الإنساني لواقعه وكيفيات عمله واتخاذ قراراته على كافة الأصعدة والمجالات ، وحسب التخريجات والحلول لمعضلاته ، وترجمة رؤى ومشاريع مثقفيه ومفكريه على أرض الواقع ، مع التجريب العملي الهادف والوازن وتدارك الأخطاء وحالات السهو أو الإغفال ، في حينها ، لتجاوز إشكاليات أوضاعه ومثبطات العزائم والمقدرات .