أخطاء الديبلوماسية المغربية القاتلة
عبدالقادر مسعودي
ان أي دولة تحترم نفسها وشعبها ، تحرص دائما عند تصريف مواقفها الدولية ، وعلاج قضاياها الداخلية ذات الطابع الدولي ،على قاعدة مركزية في ناموس الديبلوماسية الناجحة التي ترتكز على وضع الديبلوماسي المناسب في المكان والزمان المناسبين في انسجام تام مع قاعدة التوتر والانفراج في العلاقات الدولية ، ليكون ممثل الديبلوماسية قادر على المرافعة والدفاع بسلاسة عن قضايا بلاده ، باحترافية غير مشكوك فيها متمكنة من اختراق كل هوامش الربح في ميزان قوى المصالح الخارجية للدول ، المرسوم بعناية دقيقة والمتحرك لصالح من يربح أكثر وبخسارة أقل .
وباعتمادنا على المنظومات الديبلوماسية المقارنة ، نكتشف وللأسف ، مسافة ضوئية تفصل بيننا وبين الدول الرائدة في تطويع العلاقات الدولية والتعريف بقضاياها ، ولاتقف عند هذا الحد بل تعمل جاهدة على تصدير حلول مسمومة لقضايا الدول الضعيفة ، والبعيدة كل البعد عن زمن التدافع الديبلوماسي المحموم ، والحضور القوي في كل المحافل الدولية وفي الاتجاهات الأربع ، والتي ترسم علامة المرور والوقوف كبند مفصلي في المدونة الديبلوماسية الكونية ، وتجسيد قوي عن مفهوم السياسة كتعبير قوي ومكثف عن الاقتصاد ، وعلاقة قوى الانتاج بعلاقات الانتاج وقانون التطابق وعدم التطابق بينهما كمحددات أصيلة في فهم ملامح وطبيعة الأنظمة ، وطبيعة الأشخاص والمهام المرتبطة بهم ، وعلى رأسهم الديبلوماسي الذي يسوق للمنتوج الفوقي لبنائنا الاقتصادي والاجتماعي ، وإن كان عنوان هذا المقال يرتبط بأخطاء فهو في حقيقة الأمر ، ووفق مفاهيم التحليل العلمي والموضوعي ، وبدون اضافة عناصر غريبة واقحام لمفاهيم اخرى بشكل تعسفي كحال خطابنا الرسمي الذي يتحدث عن الديموقراطية وحقوق الانسان ودولة الحق والقانون التي تنكسر على صخرة الواقع المغربي الجريح كدليل واقعي وصادق على زيف الشعارات المرفوعة .
فهذا المقال يعالج ويترجم جينات الضعف في جسمنا الذي تعرض لعمليات زرع أعضاء غريبة عن هويتنا وسياقنا التاريخي في مشرحة إيكس ليبان الكاذبة ، والتي غيرت هوية المستعمر والمستثمر الخارجية والأجنبية بهوية محلية مقيدة ، ومنضبطة كل الانضباط للخارج وللسيد الأبدي ، المتحكم في نقط جدول أعمالنا ، وقياس نبض شارعنا وضبط ايقاعه على السكون والخضوع .
ولعل ماوقع مؤخرا ، من تصرف طائش وغير محسوب لسفيرة المغرب في البيرو ضد صحافي من نفس البلد ، مارس حقه الطبيعي والقانوني في حرية التعبير واعلان مساندته ودعمه للبوليساريو ، حين طالبت هذه الممثلة الديبلوماسية المغربية سلطات البيرو بالضغط على هذا الصحفي وتقليم أظافره ، الا أن هذا التصرف سترتفع على اثره حملات الدعم والمساندة لهذا الصحفي من طرف فيديرالية الصحقيين بالبيرو ، وجميع الصحفيين بأمريكا اللاتينية والذين توحدوا كلهم حول شعار مضمونه اعلان هذه الممثلة الديبلوماسية شخصية غير مرغوب فيها في امريكا اللاتينية ، وبالتالي الرفع من فاتورة المغاربة في سجل الهزائم الديبلوماسية المتكررة وغير بعيد عن هذا الحدث ، يطلع علينا خبر الملحق العسكري بالسفارة المغربية بأمريكا والمطلوب للعدالة الامريكية ، على إثر شكاية تقدمت بها خادمته الصغيرة التي تعرضت لشتى أنواع الاهانة والاستغلال الجنسي من طرفه والحرمان من حقها في الصحة من طرف زوجته بعد أن استنشقت مادة كيماوية تستعمل في التنظيف المنزلي ، وحرمت من الذهاب الى المراكز الصحية تحت ذريعة غلاء الخدمات الصحية في بلاد العم سام بالاضافة الى نقض بنود عقد العمل الذي على أساسه حدد أجر هذه الخادمة في أربع مئة (400) دولار أسبوعيا وكان يؤدى لها فقط 57 دولار .
ودائما في سياق تعميق جراح الديبلوماسية ، لابد أن نستحضر كيف بلع وزير العدل لسانه ، وكيف صمت وزير الخارجية في قضية غاية في الاهمية تتعلق بشخصية وازنة في الادارة الاستخباراتية المغربية وهو الحموشي مدير الاستخبارات والمطلوب للعدالة الفرنسية للتحقيق في قضايا متعلقة بالتعذيب ، وبدل أن تحتكم الدولة المغربية لصوت العقل والحكمة وتبحث عن مخرج سليم تشجع عليه وتخفف من هزائمنا المتوالية فضلت الاصطياد في الماء العكر وأخرجت بطاقة التعاون القضائي بين فرنسا والمغرب .
أمام هذه الأمثلة الواضحة ، ولإعمال مقاربة الخطأ والصواب في هذه الهزات الديبلوماسية لابد من استحضار المشهد السياسي العام وطبيعة التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية ومدى حضور آليات الردع والتسامح مع هذه المواقف الفاشلة من منظور ديمقراطي ، وعادلة وعادية من منظور الدولة المتسلطة وإفراز طبيعي لها ، وأمام هذه التراكمات الكثيرة للخطأ الديبلوماسي ، التي تستدعي وقفة تأملية للتقييم الهادئ من أجل إفراز الآليات الناجعة لوضع حد لهذه المهزلة التي نتقاسم خسارتها جميعا ، وتفعيل رافعة المسؤولية وإيجاد مخارج معقولة ووازنة لمختلف القضايا الدولية والتي تعنينا بشكل مباشر .
والسؤال المطروح في الاخير ، من أين نبدأ .
.
.
.
.
؟ وأين ننتهي .
.
.
.
؟ وهل هناك ارادة حقيقية وفعلية لوقف هذا النزيف الديبلوماسي ؟؟؟