حينما يكشر القدر .. في وجوه ضحاياه (قصة)
عبد اللطيف مجدوب
في الطريق إلى الدار البيضاء
كانت الحافلة غاصة بالمسافرين ، تنهب الأرض نهبا في طريقها إلى البيضاء .
.
.
في مقعد خلفي شخص ملتح ؛ لم تنفك نظراته تحدق في اتجاه امرأة في الجانب الأيمن ، يتمايل رأسها ذات اليمين وذات الشمال ؛ من حين إلى آخر ؛ كانت تنتحب في صمت وتكفكف دموعها بكم جلبابها في تستر عن أعين القاعدين إلى جوارها .
.
في حين كان ملاصقا لها عن اليسار طفل لم يتجاوز السادسة من عمره .
.
أسلم رأسه إلى حضن أمه مواجها جسمه النحيل لزجاج النافذة .
ناولها كيس مناديل ونظراته لم تفتر عن الحملقة في سحنتها .
.
أخذت تصلح حالها لتستدير إلى صاحبنا الملتحي ، بوجه مستدير وعينين حمراوين غائرتين وشفتين دقيقتين ما زالتا مبتلتين من انهمار الدموع على خديها .
.
حاول أن يسكن من روعها :
” .
.
.
ياكْ لاباسْ .
.
.
مالكْ .
.
محْتاجا شيحاجا .
.
؟ ” .
.
أعادت إليه الكيس .
.
فلم تقو شفتاها على التمتمة ، واكتفت بحركة من يدها كما ودت أن تشكره .
وبينما أخذت الحافلة تقترب من مشارف مدينة الدار البيضاء ، رن هاتفها لتفغر فاهها : ” .
.
ألو .
.
ألو عمْتي قرّبنا .
.
ما زالْ .
.
.
“
قاطعتها عمتها : ” .
.
.
شدّي ولداكْ مزْيان .
.
.
راهومْ غيرْ لبّانديّا .
.
.
راهْ كانتسنّاوكْ فوْلادْ زيّانْ .
.
.
” .
.
” واخّا .
.
آعمْتي .
.
ياالله .
.
“
نادت إبنها وهو ما زال نائما على صدرها : ” .
.
عادلْ .
.
عادلْ .
.
نوضْ .
.
ياالله .
.
آحْنا وصلْنا .
.
“
اِلتفت إليها الرجل الملتحي وهو يهم بإخراج حقيبته من أسفل المقعد ؛ وسط لغط الركاب : “.
.
كاينْ شي فاشْ نْعاونكْ .
.
؟ “
” .
.
شكْرا.
.
آخويا .
.
.
راهومْ هْنا كايتسنّاو فينا .
.
“
” .
.
ماتعْطينيشْ نْمرْتكْ .
.
زعْما .
.
سبحانْ .
.
“
” ياالله قيْدو عنْدكْ .
.
.
“
لم تكد الحافلة تدخل المحطة حتى أخذ بعضهم يصيح في الخارج : ” الجديدة .
.
مكناس .
.
واد زم .
.
آزمور .
.
ياالله .
.
بْلاصا “
رافقها إلى حين استلام حقيبتها الثقيلة ، والتي ألفت عمتها شكلها ولونها ، فصرخت من الخلف وسط الجموع : ” .
.
أراها .
.
أراها .
.
هْنا .
.
آفايْنكْ آلبتولْ .
.
لْباتولْ .
.
! ” .
.
اِنبرت فجأة في اتجاه العمة ؛ وهي ممسكة بيد ابنها عادل المتعثر في مشيته ” .
.
صاحت عمتها : ” .
.
آشْكونْ هداكْ بولحْيا .
.
بولحيا اللّي نْزلْ معاكْ منْ الكارْ .
.
؟ !”
” .
.
لا غيرْ بْغا يعاوْني .
.
فالتّقل .
.
“
.
.
.
عمتها امرأة في عقدها الخامس ؛ عينها اليمنى غمازة ، نظراتها تختزن كراهية ومقتا للجميع ، وبلسان سليط لا يأبه بأحد ، تعلو وجهها ندوب عميقة .
صرخت في وجهها : ” .
.
قلتلكْ .
.
وإياكْ .
.
وإياكْ .
.
تتّقي .
.
راهومْ كلهمْ شْلاهبيّا .
.
وبّانْديّا .
.
” ثم أضافت وهم يشقون طريقهم وسط ازدحام المسافرين : “.
.
واشْ عمْتكْ .
.
دوْزاتْ قليلْ مع لبّانديّا .
.
دوّازتْ شْحالْ درْجالْ .
.
كلْهمْ غيرْ لبّانديّ لخوهْ .
.
.
ياالله راهْ عزيز كايتسنّانا فالطاكسي .
.
“
عمتها “عيشة سيكاتريس” ؛ كما يدعوها الجيران ؛ تعيش بمنزل متواضع ، تحيط بها قطط ، تقوم على إيوائها وتغذيتها ، وسط حي شعبي مكتظ بالسكان ؛ معظمهم يمتهن حرفة الخضارة بالعربة .
.
نهارا والسباب والعراك ليلا .
.
!
ألقت البتول بجسدها النحيل على الأرض ، وراحت تستعرض ؛ أمام ناظريها ؛ صورا مرعبة لزوجها بين أيادي الجيران ينهالون عليه بالرفس والركل .
.
بعد أن ضبطوه بطلا لاغتصاب ثلاثة من أطفال الحي .
.
!انتظروا .
.
لكن لم تكد سيارة الإسعاف تصل إلى عين المكان .
.
حتى كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة .
كانت مستسلمة لصور ماضيها البئيس لولا صوت عمتها المدوي :
” .
.
نوضي آلبتولْ .
.
.
كولو شْويّا عاد نعْسو .
.
.
آجي أعادل .
.
عنْداك تخرج على برّا .
.
إشنْدْغوكْ أوْلادْ لقْـــ.
.
.
“
* * *
الاتجار في كل شيء
مرت ثلاثة أيام على حلولها ضيفة على عمتها .
.
وفي أجواء عبقة بصخب الجيران ، وصراخ الأطفال ؛ يتعقبهم دوما “البيتشو” بائع الديطاي ، وينهرهم بلزوم “أعشاشهم” ، حتى كان ذات يوم بينما كانت منهمكة في التصبين ، إذا بهاتفها يهتز في صدرها .
.
.
” .
.
ألو .
.
ألو .
.
شْكونْ .
.
؟ .
.
باللّاتي .
.
باللّاتي .
.
“
صعدت إلى السطح ، وآوت إلى ركن منعزل لتستأنف المكالمة :
“.
.
أنا اللّي .
.
أنا اللّي جيتْ معاكْ فالكار منْ خريبكة .
.
عْقالتي عليّا .
.
؟ .
.
“
” .
.
إيه .
.
إيه .
.
عادْ ستعْقلتْ .
.
واشْ كادّيرْ .
.
ماهْدرناشْ فالكار .
.
“
” .
.
أنا .
.
مْوصّيني القاضي الزموري .
.
.
كاندّيلو لعسلْ من شهر لشْهر .
.
عزّيتي عْليّا .
.
داكْ نْهار .
.
.
مانتْلاقاوشْ .
.
؟ “
” .
.
لا .
.
.
.
لا .
.
.
.
لا .
.
مايمْكنليشْ .
.
عمْتي صْعيبا .
.
والدرّي مايقدارشْ إفارقْني .
.
“
” .
.
سميتكْ الباتول ياكْ .
.
وآشْ كتْعرفي الدّيري آلباتولْ .
.
من غيرْ طْيابْ والشْقا.
.
“
” .
.
ماعنْديشْ شيحاجا أخرى .
.
بحالاشْ زعْما .
.
.
“
” .
.
بْحالْ تشطْحي .
.
ولاّ تغنّي ها .
.
ها .
.
ها .
.
” .
قهقهت البتول .
.
لكن سرعان ما كتمتها بين قطع ملابس منشورة ، ولم تكد تسترسل في حديثها حتى صعقها صوت من الخلف :
” .
.
آشْ كادّيري هْنا .
.
مْعامنْ كنْتي كاتدْوي .
.
ها وذْني منّكْ آلباتول .
.
راهُمْ كلْهمْ بّانْديّا .
.
ياالله زيدي قدّامي .
.
ديري لْولْداكْ ما يلْعاقْ .
.
“
* * *
تاجر الخدم
في مقهى زجاجي ؛ مشرف على شاطئ عين الذياب .
.
قعد الرجل الملتحي منشغلا بهاتفه ؛ بين الفينة والأخرى ؛ كان يأخذ وضعية اتصال بأحد ، فلا يجيبه .
.
فيراجع ساعته المعصمية .
.
ولا تنفك أنامله عن مداعبة زغب لحيته .
.
لكن وبعد حين ولج بهو المقهى رجل مديد القامة منتفخ البطن ؛ يداعب بيده اليسرى سبحة فضية لامعة .
.
وبمجرد أن رمقه الرجل الملتحي حتى هرع إليه هذا الأخير هاشّا باشّا وقد لمح ؛ بغمزة عين ؛ إلى خدم هناك :
” .
.
ياحاجْ .
.
شرّفْتْ .
.
ياهلا .
.
.
.
ياهلا .
.
“
” .
.
ياسي عبد الرحيم .
.
مِنْ كمْ وانْتا هِنا .
.
؟ قفلتْ السكة .
.
ماكاشْ على بالْ السّواقْ بْتاعي .
.
ياهلا .
.
” .
حلّق الخدم حول الرجل الكويتي كالنحل حول قرص العسل ، كل يسعى لتلبية حاجياته .
.
.
من الأكل والشراب والمرح .
.
“
الرجل الكويتي متوجها إلى عبد الرحيم : ” .
.
ياسي عبد الرحيم إشنو جبْتْ .
.
هاتْ .
.
هاتْ .
.
“
عبد الرحيم متلعثما : ” .
.
ياحاجْ .
.
جبْتْ لِكْ فرْخة .
.
.
” الكويتي مقاطعا : ” لا .
.
لا .
.
فرخة ولا بطة .
.
بسْ متعلمة عمل منزلي .
.
منزلي .
.
أُبسْ .
.
“.
عبد الرحيم : ” إيوا كِذا .
.
إيوا كِذا ياحاجْ .
.
معي امرأة متعلمة تتقن شغالات هيّذي .
.
“
الكويتي متسائلا : ” .
.
وينْ هيّا ذي المخْلوقة .
.
أنا لازمْني أشوفْها .
.
“
عبد الرحيم : ” .
.
بكرة تشُوفْها .
.
ياحاجْ .
.
“
الكويتي مستدركا : ” .
.
عندي سفريّة بُكرة لإسبانيا .
.
مافيهْشْ سبعة أيام ولا ثْمانيا نكونْ هِنا .
.
حاكلْمك لوقْتو .
.
” .
عندها رن هاتفه الصغير ، وقبل أن يحمله إلى أذنه اليسرى أفرغ في جوفه كأس سكوتش ، ليستتبعه بتثبيت غليوم بين شفتيه ؛ وأنفاس أدخنة تتطاير من حوله تباعا : ” آلو .
.
آلو .
.
ياهلا .
.
حبيبي أحمد إزّايك .
.
كِيفْ الحال كويسْ عال .
.
إزّايك ومدريد ها .
.
ها .
.
ها .
.
آيْ نعم بكرة حاكون عندك .
.
ثلاثة .
.
ثلا .
.
والله كويس .
.
ثلاثة ربما .
.
أربعة .
.
واحدا .
.
من المغرب .
.
نعم الشغل زيْكِدا .
.
الله يعطيك العافية .
.
سي يو سون “
رشف كأسا أخرى ، قبل أن ينهض واقفا ؛ وقد طلب لسائقه الدفع بالبطاقة البنكية ، مع نفح الخدم بعض البقشيش .
.
* * *
عادل يسلك طريقا آخر
تعاقبت الأيام والشهور سراعا ، كل ينتظر الآخر .
.
لا الرجل الملتحي عبد الرحيم يعاود الاتصال بالبتول .
.
ولا الكويتي يرن في هاتف عبد الرحيم .
.
حتى كادت الأحداث أن تصبح مجرد صدفة من الماضي ، سرعان ما طواها النسيان إلا من العمة “عيشة سيكاتريس” التي كانت تزداد غلظة وتشددا ، تجاه البتول وإبنها عادل .
.
الذي لم يكن يقو على المكوث في المنزل ، ولزوم أركانه المظلمة ، ومعانقة روائح الخمرة التي كانت تعاقرها عمته ليلا والناس نيام .
.
! كانت العمة تمانع في إلحاقه بمدرسة هناك ، بينما أصرت أمه على رؤية إبنها يحمل محفظته ؛ يغدو ويروح بها إلى المدرسة وسط أترابه .
وذات صباح من أيام دجمبر القارس ، بينما كانت تعد الفطور لإبنها لتصحبه إلى المدرسة ، رن الهاتف في صدرها :
” .
.
ألو .
.
.
.
ألو .
.
شْكونْ انْتا .
.
ســ.
.
باللّاتي .
.
عاود منْ دابا شْويّا.
.
” .
ارتدت جلبابها الداكن ، مع خمار أسود .
.
وحملت المحفظة ؛ مصطحبة اِبنها في طريقه إلى المدرسة .
.
وفي طريق عودتها رن الهاتف :
” .
.
ألو .
.
لاباس .
.
شْحالْ هادي .
.
كيفاشْ .
.
لا .
.
لا .
.
لا .
.
“
الرجل الملتحي ملحا : “.
.
راه الحظ هوا لِكلْمك .
.
في التلفون .
.
ماشي أنا .
.
اعْطيني نص ساعة من وقْتكْ .
.
فايْنكْ دابا .
.
؟ “
ترددت البتول طويلا ، ونظراتها تزيغ بين اتجاه المدرسة وبين اتجاه منزل عمتها ، وأخيرا ردت :
” .
.
أنا دابا .
.
فْباب مراكش .
.
قبالة القيساريا .
.
متعطّلشْ .
.
” .
.
.
وفي لحظات معدودة تراءى لها الرجل الملتحي ؛ يلوح لها من داخل سيارة أجرة .
.
.
صعدت إلى الخلف وقد أحست بالعرق يتصبب من جبينها لينتشر في أنحاء جسدها .
.
ولج عبد الرحيم المقهى الزجاجي ليلفي أمامه قاعدا على أريكة رحبة الرجل الكويتي ببرنوصه الأسود ، وغليونه المعتاد .
.
” .
.
إنها هنا في السيارة .
.
.
تنتظر إشارتكم .
.
.
ياحاجْ .
.
” .
.
.
أخذ نفسا عميقا من غليونه قبل أن يرد :
” .
.
طيبْ .
.
هاتْ نْشوفو .
.
” .
.
.
مثلت أمامه .
.
.
وعيناها مطرقتان إلى الأرض .
.
فلم يتوان الكويتي عن مخاطبتها :
” .
.
من فضلكْ .
.
.
تسْمحي .
.
تكْشفي عن وجهكْ .
.
.
؟ ” .
.
.
كشفت عن وجه محْمرّ ، وبتقاسيم نحيفة وخجولة .
” .
.
عالْ .
.
عالْ .
.
بتعرفي القراءة والكتابة .
.
.
؟ ” .
.
.
.
أومأت بهزة رأسها أن لا .
.
.
فقهقه حينها الكويتي قهقهة انتهت بسعال حاد قبل أن يتكلم : ” .
.
عالْ .
.
والله عال .
.
كل السّتات لأخدناهمْ للشغل طردناهم .
.
ليهْ لأنهم يعقدو الاتصالات مع الزبناء .
.
.
يابنْتْ الناس إسمك .
.
يابتولا بتقبلي تشْتغلي شغْلة كويّسا .
.
شغْلات عادية .
.
نظافة .
.
طبخ كذا .
.
إيشْ رأيكْ .
.
؟ “
تسمرت في مكانها لا تلوي على شيء من هول المفاجأة ، قبل أن تغمغم :
” .
.
نعم .
.
آسيدي .
.
.
إلا كان شْغال دْيال الدار .
.
.
“
الكويتي ؛ متوجها إلى عبد الرحيم : ” .
.
شوف ياسي عبد الرحيم .
.
غدْوا .
.
إيجي هنا وكيل أعمالي .
.
سي برعوم .
.
حينها يرتّب أوراق السفر .
.
ويدْفع لها مقدما .
.
.
350 دولار لعائلتها .
.
ساميعْ .
.
طيب .
.
ربما عندي سفرة بكرة .
.
.
“
* * *
المال دين العمة
كم كانت غبطة العمة وهي تستلم المبلغ من البتول ، قبل أن تقبل يديها الإثنتين وهي تربت على كتف إبنها عادل :
” .
.
شوفي .
.
آعمتي .
.
هدا هو نور عيْنيّا .
.
.
خلّيتولكْ بين يدّيك .
.
باشْ تهلاّي فيه .
.
وتْخلّيه يمْشي ديما المدرسة .
.
ماعمْري ننْسا خيركْ .
.
نتي لعندي فلبلاصا ديالْ أمّي الله يرحمها .
.
.
“
تأملتها عمتها بعينها الغمازة ، قبل أن توصيها في لهجة استعطاف :
” .
.
شوفي آبنتي البتول .
.
.
عنْداكْ تنْسايْنا .
.
.
مْنينْ دّيري لفْلوسْ بزّافْ .
.
.
أعنْداكْ .
.
ديما نوصّيكْ الرجالْ .
.
الرجالْ .
.
واخّا فينْ مّا مْشيتي .
.
.
ديما بّانديّا .
.
.
“
في بضعة أشهر اِلتحقت البتول شغالة في أحد النوادي الليلية بالكويت العاصمة .
.
.
وقد رخص لها رب النادي بضرورة اللباس المحتشم البعيد عن كل إثارة .
.
.
ومن فورها اعتادت الاتصال بعمتها .
.
وسماع اِبنها عادل وتدرجه في النتائج المدرسية ، لتختتم بسؤالها الروتيني على رأس كل شهر ما إذا كانت عمتها توصلت بالحوالة أم لا .
.
.
* * *
نهاية العمة
كان مضجعه مؤرقا ؛ قلما يحظى بنوم هادئ ، دون أن يعكر هدوءه طرقات على الباب ، ليختلس النظرات إلى عمته وهي تتسلل ؛ في جنح الظلام ؛ إلى غرفة مجاورة لتسكب النبيذ وتدخن الشيشا صحبة طوارق مجهولين .
.
.
كان ذلك ينغص عليه عيشه ، ويزيد في تعميق جراحه .
.
.
لكن .
.
فجأة ستسود الدنيا في أعينه ، ولم يعد يطيق رؤيتها .
.
.
سيما بعد أن امتنعت عن اقتنائه لبعض اللوازم الدراسية ، بدعوى أن أمه كفت عن إرسال مؤونتها منذ مدة ، وهو يعلم أن نفقة أمه تبتلعها عمة أمه في لياليها المخمرة .
وفي لحظات ما وجد نفسه مفصولا عن الدراسة .
.
.
يتسكع في دروب وأزقة ؛ تعرف كل يوم ؛ فصولا في العراك بالسيوف والسكاكين ، بين بائعي المخدرات ورؤساء عصابات يريدون “التدويخا” مجانا .
.
!
وفي جوف ليلة بهيمة ؛ بينما كانت سيول الأمطار تتهاطل بغزارة على سقيفة المنزل ؛ عمد عادل إلى برغي كان يتوسده .
.
.
وقد عزم على أن يضح حدا للجراح التي كانت تمزق ذاته .
.
.
تسلل إلى الغرفة المجاورة ، حيث كان شخير عمة أمه يملأ الفضاء ، وفي لحظة مفاجئة .
.
انقطع شخيرها إلى الأبد .
.
.
وولى هاربا في جنح الظلام !
هاجر المدينة ، وأصبح يأوي إلى منزل منزو .
.
.
في قرية معزولة صحبة ثلة من الأصدقاء ، يحضر إليهم كل مساء شخص في قميص رمادي اللون ، وبحذاء رياضي .
.
.
وآثار الكحل بادية على حاجبيه .
ولشد ما كان الفضول يدفع بعادل إلى الإصغاء إليه ؛ وهو يحدثهم عن الجنة وفراديس الجنان .
.
.
وحور العين .
.
.
فلم يتمالك أن سأله ذات يوم :
” .
.
.
أبا علي .
.
أبا علي .
.
.
هذه الأنهار .
.
.
والفراديس .
.
وحور العين .
.
أعدها الله لنا لقاء ماذا ؟.
.
“
” .
.
الأمر سهل .
.
ياأخي عادل .
.
.
كل هذا .
.
.
وما لم يخطر ببال بشر .
.
.
جزاء من الله على قتال أهل الكفر .
.
والكفار .
.
.
“
عادل مستزيدا من “معارف” نزيلهم : ” .
.
وكيف السبيل إلى ذلك .
.
.
؟ !
* * *
السقوط في خلية إرهابية
كان شغوفا بحضور حلقات ذلك الشاب ذي الجبة الأفغانية .
.
.
وكم كان يتوق إلى معرفة السبيل .
.
لقطف “ذلك الجزاء العظيم” .
.
حتى إذا كان ذات مساء ؛ والقمر تغشاه سحب داكنة تغدو وتروح في رقعة السماء ؛ طرق النزيل الباب على حين غرة ، فوجد نفسه أمام عادل وجها لوجه .
.
” .
.
أخي عادل .
.
.
هيا بنا .
.
لقد حان الأوان لتمتطي سفينة الفالحين السعداء .
.
.
السيارة في انتظارنا لتقلنا إلى إخوان لنا ؛ يحدوهم جميعا نفس الأمل الذي يعتمل في نفسك .
.
.
في غضون ثلاثة أيام سنلتحق بالركب في سوريا .
.
.
هيا .
.
“
كانت رحلة شاقة .
.
وبمثابة حلم يعج بمشاهد درامية رهيبة ؛ لم يكن يعلم بمحطاتها ولا مواقعها الجغرافية .
.
.
في ظرف ثلاثة أيام بلياليها ، وجد نفسه صحبة غرباء في مركب بميناء اللاذقية .
.
يستعد ليمخر عباب البحر في اتجاه منطقة محروسة شبه جبلية ؛ يقف على بوابتها المسيجة أناس ملثمون ، في أزياء سوداء ، يحملون بنادق رشاشة في وضعية تأهب قصوى .
.
جال عادل ببصره في تلك الأنحاء ليلفي نفسه في معسكر ؛ تزدحم في بعض جنباته سيارات طويوطا مجهزة بمدافع رشاشة ، وصناديق الذخيرة ، في حين كانت بالقرب منها غير بعيد ميادين التدريب على إصابة الأهداف بأساليب ووسائل عديدة ؛ من حين لآخر ؛ تتردد في الفضاء كلمة “الله أكبر” مختلطة بدوي الرصاص .
.
.
* * *
التشبع بالفكر الإرهابي
لم يكن مكوثه في هذه الأصقاع بالأمر الهين ، بل خضع لتداريب وعادات وشحن للذاكرة سنة كاملة ، صنعت منه شخصا آخر تواقا “للجهاد” ، وسفك دماء “الكفرة” حسب القاموس المتداول عندهم ، حظي من ورائها بلقب ميداني “خنجر الإسلام” ، وبين أفراد عشيرته “بالزبير” .
.
وذات يوم ؛ وبعد أن انفضوا عن مائدة الطعام المفروشة على الأرض ؛ ناداه أحدهم : “.
.
الزبير .
.
.
الزبير .
.
.
قائد المعسكر يريدك في مهمة عاجلة .
.
“
ولج غرفة .
.
ليجد في انتظاره على حصير مهترئ أبا الليث ؛ بقامة متوسطة ووجه تلفه لحية سوداء ، أتت على فمه ومنخريه ! :
” .
.
الله أكبر .
.
الله أكبر .
.
ياخنجر الإسلام .
.
!الجماعة تبارك لك في خطواتك ، وقد أصبحت أهلا للمهام “المقدسة” .
.
.
جماعتنا اختارتك لتنفيذ مهمة في الكويت .
.
.
سيلتحق بنا بعد حين أبو النصر ، ليزودك بخريطة الموقع وزاده من الذخيرة .
.
ونهنئك مسبقا على هذه “النعمة” والجزاء الأوفى الذي سيكلل عملك هناك .
.
“
* * *
السفر إلى الجحيم
كان الهدف ملهى ليليا ؛ يقع أسفل فندق ؛ يرتاده علية القوم ، وكبار المقامرين لتجار من جنسيات مختلفة .
.
.
وقف عادل ، قريبا من الفندق ، وأخذ يتأمل حركة رواده الدؤوبة .
.
.
سيارات فارهة تتوقف .
.
وأخرى تغادر المدخل الرئيس .
.
.
حقائب تحمل هنا وأخرى تسحب من هناك .
.
على أيدي مضيفات في عمر الزهور ، يبدو ؛ من سحناتهن ؛ أن معظمهن قدم من آسيا .
.
.
وبينما هو كذلك ، إذا بذاكرته تسرح به في الماضي ، فيتذكر أمه البتول .
.
وركوبها الأهوال لتؤمن له مصاريف الدراسة ، وتطعمه وتقيه شر مخالب عمتها .
.
.
كان شاردا .
.
تائها .
.
بين أفكار تعصف به .
.
.
لتستقبله أخرى أشد وطأة وقسوة : = .
.
.
.
أين هي الآن .
.
؟ هذه هي الكويت .
.
وهذا هو أشهر فندق بها .
.
.
فقد تكون .
.
.
تشتغل .
.
.
نادلة .
.
لا .
.
.
لا.
.
.
يارب .
.
.
أمي .
.
.
ليست من هذه الطينة .
.
لا .
.
ربما منظفة .
.
.
وسط الزبناء .
.
.
لا .
.
.
لا .
.
أمي .
.
ليست .
.
.
ولكن ما جزاء الكفرة .
.
.
قد تكون طلقت عقيدتها إلى غير رجعة .
.
.
فأصبح دمها .
.
.
لا .
.
.
لا .
.
أمي .
.
ليست .
.
.
أمي .
.
.
أمي .
.
.
.
=
” .
.
.
إمْش .
.
.
إمْش .
.
.
إمْش مِن هناك يارجلْ .
.
.
“
استفاق على دوي صوت صادر من أحد حراس الفندق .
.
من بعيد ، فولى أدراجه إلى الخلف ، ليتوارى عن باحة الفندق الفسيحة .
.
.
بعد خمسة أيام من حلوله بالكويت العاصمة ؛ وفي ظهيرة يوم جمعة ؛ بثت مباشرة كبريات القنوات الفضائية الدولية صورا لتفجير فندق بالكويت ، يعد ضحاياه بالعشرات .
.
.
.
قيل إن الفاعل كان من بين الضحايا ، وقد عثر في كيس كان يحمله صورة ؛ لم تمتد إليها ألسنة النيران قيل إنها لامرأة .
.
.
ما زال التحقيق جاريا بشأنها .
وفي نشرة استثنائية عاجلة ، أكدت إحدى القنوات أن ” عاملة بالفندق أصابتها شظية في عينها اليمنى .
.
يقال إنها على علاقة بالإرهابي .
.
” .
.
.
فيما أوضحت قناة CNN أن التحقيقات كشفت أن المرأة لم تستطع التعرف على الأجساد المتفحمة ، لكنها صعقت حينما شاهدت خالا بذراع يد مبتورة ، فانهارت قواها وسقطت لحينها على الأرض .