123713
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
السيرة النبوية الشريفة
الهجرة إلى المدينة
أذِنَ الله عز وجل للمهاجرين أن يُهاجروا من بلدهم، أن يتركوا موطنهم وبلدهم الذي عاشوا وتربوا فيه، أن يتركوا أهليهم وأموالهم وتجاراتهم، ليهاجروا إلى بلد أخرى إلى بلاد غريبة، كل هذا في سبيل من، في سبيل الله عز وجل، الأخ ترك أخاه، الأم تركت أبنائها، الإبن ترك أمه وأباه، الأسر ذهب بعضها وجلس البعض الآخر، هكذا ضحى المُوحدون من أجل ربهم عز وجل، كان من أوائل الذين هاجروا ربما قبل البيعة الثانية، أسرة أبي سَلَمَة، أبوَ سلَمَة مع زوجته أم سَلَمَة وإبنيهما، أرادت هذه الاسرة أن تهاجر لله عز وجل، أن تهاجر في سبيل الله جل وعلا
، لكن أسرة أم سلمة ما تركوها تذهب مع زوجها فمسكوها وحبسوها، فأراد أبو سلمة أن يهاجر لوحده، وهاجر لوحده، أما الإبن فقد جلس مع أمه، فجاءت أسرة أبي سلمة، تريد أخذ ولدها وأسرَّت أسرة أمِّ سلمة أن تمسك الولد عندها، فتنازع الطرفان وحصل بينهما عِراكٌ ،أوْذِيَ الطفل بسببه هكذا، تشتت أسرة بأكملها، فظل الإبن عند أسرة الأب وهاجر الأب إلى المدينة، وظلت الأم عند أهلها فتفرقت أسرة بأكملها، كل هذا لأجل من، لأجل الله ولأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كانت أم سلمة تجلس كل يوم على صعيد تبكي وتذكر زوجها وإبنها حتى غروب الشمس، ظلت سنة على هذه الحال، حتى أُذِنَ لها فصارت لوحدها إلى المدينة، فرأها عثمان إبن طلحة فرافقها إلى مسجد رسول الله في المدينة،
هكذا كانت وفود المُهاجرين تخرج من مكة إلى المدينة سرا جماعات وَوِحدانا {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًاً} هدفهم الله جل وعلا فقط، لايريدون شيئا من الدنيا، تركوا أموالهم تركوا أولادهم تركوا أهليهم { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } أغلب الناس خرج سرا إلا عمر إبن الخطاب، فقد قال لقريش، أريد أن أهاجر إلى المدينة لأجل الله ولرسول الله، فمن أراد أن تَثْكُلَهُ أمه فليأتني عند هذا الوادي، هكذا خرج عمر عزيزا كريما، أما المؤمنون خرجوا سرا، يريدون وجه الله ويريدون الدار الآخرة، بدأت وفود المؤمنين تهاجر من مكة ولم يبقى في مكة إلى القليل القليل هكذا أذِنَ الرب عز وجل أن يتحول المؤمنون من بلد إلى بلد أخرى
أَتىَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت أبي بكر وقت الظهيرة، وجلس عنده في وقت لم يعتد أن يَأتِيَهُ فيه، فقد كان النبي يأتيه غالبا أول النهار أو آخره، أما وقت الظهيرة فالأمر مُستغرب، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه، ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوقت إلاّ لأمر جلل، إلا لحدث عظيم، وفي هذه الأيام كان أغلب الصحابة رضي الله عنهم قد هاجروا إلى المدينة، ومضى على بيعة العقبة الكبرى أكثر من شهرين
فجاء النبي إلى أبي بكر وكان عنده في البيت إبنتاه عائشة صغيرة صبية، وأختها أسماء جالسة عندها، فنظر النبي وقال أخرج مَنْ عِنْدَكَ يآ أبا بكر، لأن الأمر سر، لأن الحدث عظيم، لأن الذي سأقوله لك، هذا الأمر بيني وبينك فقط، فنظر أبو بكر إلى ابنتيه وقال، يا رسول الله إنهما إبنتاي، يعني ليس بالأمر الخطير أن نتكلم أمامهما، فالسر عندهما سر، فتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يآ أبا بكر، إن الله عز وجل قد أذِنَ لي بالخروج والهجرة، الآن جاءت ساعة الصفر، الآن سنبدأ أعظم رحلة في تاريخ هذه الامة، أبو بكرالآن يهتم لأمر آخر، ماهو الأمر الآخر الذي يهتم له أبو بكر، قال الصُحْبَة يارسول الله، أي، أتأذن لي أن أصحبك في الهجرة يارسول الله، قال الصُحبة يآ أبا بكر الصُحبة يآ أبا بكر، فانفجر أبو بكر يبكي، تقول عائشة ما كنت أظن أن أحدا من الناس يبكي من شدة الفرح، إلا لما رأيت والدي يبكي في ذلك اليوم.
جلس أبو بكر في بيته يبكي فرحا يبكي سرورا، لأنه سيهاجر مع رسوله، مع حبيبه مع خليله، في أعظم وأخطر رحلة بالتاريخ، وكان قد إستعد لهذه الرحلة، قال يارسول الله، قد جهزت لهذا الأمر راحلتين، إختر أيهما شئت، وقد جهز أبوبكر دليلا للهجرة هو ” عبد الله إبن أُرَيْقِطْ ” فلما أخبر النبي أبا بكر بهذا الخبر، خرج من عِنده.
أصاب قريشا الهم والقلق، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخذوا زوجاتهم وأولادهم وأهليهم وغادروا مكة، حَتْماً سيُأثر هذا على سُمعة مكة وسُمعة قريش بين القبائل
فقررت قريش أن تجتمع في دار سمتها “دار الندوة ” أن يأتي من كل قوم سَيِّدُهُم شريفهم، فيجتمعون ليقرّروا مصير محمد وأصحابه، وماذا يفعلون في هذه المصيبة التي حلت بهم، إجتمع السادة والاشراف، فدخل بينهم رجل كبير بالسن، شيخ كبير لم يعرفوه، قالوا من أنت، قال أنا شيخ من” نَجْد” قالوا ما الذي جاء بك، قال سمعت باجتماعكم فجئت أُسْدِيكُمْ رأيا ونصيحة تستمعون إليها، فأدخلوه بينهم ولم يعرفوا أن هذا الرجل ليس برجل، إنه إبليس بنفسه، تصور بصورة شيخ كبير ليحضر أخظر إجتماع في تاريخ قريش، أخطر إجتماع يقرروا به مصيرهم، ماذا نفعل أيها الناس، ماذا نصنع بمحمد، قال أحدهم يُقال له ” أبو الاسود ” أنا أرى أن نَنفِيه من بلدنا، أن نُّخْرِجَهُ، أن نطرده ونرتاح منه، فقال إبليس بصورة الرجل الكبير، والله ذاك ليس بالرأي، تعرفون حسن كلامه ومنطقه، إن ذهب إلى قبيلة من العرب تجمع الناس عليه، ثم قاتلوكم معه، قالوا إذا ما رأيكم أيها الناس، يتشاورون قال ” أبو الُبخْتَرِي ” أنا عندي رأي آخر، قالوا ما رأيك، قال رأيي أن نُثبِتَهُ أن نحبسه ونقيده في حديد في مكان نعزله عن الناس، فقال إبليس بصورة الرجل الكبير، ذاك أيضا ليس بالرأي، قالوا ولِمَ، قال إن فعلتم هذا وصلهم كلامه من وراء الباب، وسوف يجمع الناس وَيَهِبُوا عليكم وثبة رجل واحد لِيُخْرِجُوهُ، ليس ذلك بالرأي
هنا نطق وتكلم فرعون هذه الأمة أبو جهل، وقال للناس ليس رأيكم بالرأي، إنما الرأي عندي، قالوا ما رأيك، قال نأتي بكل قوم أفضلهم قوةً وجَلَداً ونسباً، فنعطيه لهذا الشاب سيفا صارما، فيجتمع أولئك الشباب من كل قوم شابا جليدا قويا نسيبا صارما سيفا بيده، فيجتمعوا على محمد فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بالقبائل، هنا تكلم إبليس وقال، إن هذا هو الرأي، وهذه هي الحكمة، أن يتفرق دمه في القبائل { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ } الرب فضحهم { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }.
إتفق المشركون على أن ينفذوا خطتهم تلك الليلة، حلَّت ساعة الصفر، فأوحى الله عز وجل إلى نبيه عن طريق جبريل عليه السلام، يا محمد لا تَبِتْ في بيتك، ولا فراشك تلك الليلة، فجاءه جبريل وأخبره بهذا، فذهب النبي مباشرة إلى علي إبن أبي طالب يأمره أن ينام في فراشه ويتغطى بِبُرْدَتِهِ صلى الله عليه وسلم، إتفق الأكابر المجرمون، وعلى رأسهم أبو جهل، وكانوا أحد عشر رجلا، كل واحد بيده سيف، ليقتلوا النبي بضربة رجل واحد، كلهم يضربه نفس الضربة، فيتفرق دمه في القبائل مكرهم، يُثْبِتُوكَ أو يقتلوك أو يُخرجوك { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } في تلك الليلة حلت ساعة الصفر، ماذا سيحدث، هل ستنفذ خطة الشيطان إبليس للمشركين في تلك الليلة، أم أن الله عز وجل سينجي نبيه، كل المشركين كانوا متجمعين أحد عشر رجلا، فقام فيهم أبو جهل مخاطبا مستهزأ مفتخرا قال، يامعشر قريش، يآ أيها الناس، إن محمدا يعدكم أنكم إذا تبعتموه أن تملكوا العرب والعجم، ثم إذا مِتُّم لكم جِنَانٌ كَجِنَان الاردن، وإنكم إذا خالفتموه، فإن لكم الحرب ثم النار بعد الموت، يستهزئ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال، ونحن الليلة سنقتله، وإذا بالامام علي ينام في فراش النبي، ضحى بنفسه، فدى بنفسه من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج النبي للمشركين، لهؤلاء الرجال الذين ينتظرونه بأسيافهم
خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، ثم قرأ قول الله جل وعلا أمامهم { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } وإذا بهم لا يرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما رآه أحد من المشركين، أحد عشر رجلا وهم ينتظرونه، فجاء النبي بحفنة تراب ووضعها على رأس كل واحد منهم ثم إنصرف عليه الصلاة والسلام، فلما انصرف رأى هذا المنظر رجل من الناس، فجاء إليهم فقال، ماذا تصنعون هنا، قالوا ننتظر محمدا، فإذا خرج قتلناه، قال ماذا تقولون قبحكم الله، لقد خرج محمد ووضع على كل واحد منكم تراباً على رأسه ثم إنصرف، وما رآه أحد، لا يبصرون، جعل الله غِشاءًا أمامهم، صاروا عميا لايرون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا بهم ينظرون إلى رؤوسهم عليها التراب، لكنهم أطلوا في الحجرة فرأوا الرسول نائما، كان الامام علي هو الذي ينام، فظنوه محمدا صلى الله عليه وسلم
فانتظروا حتى الصباح، فلما أصبح الصباح، دخلوا البيت فرأوا تحت الرداء والبُردة، علي إبن أبي طالب، فإذا بهم يقول بعضهم لبعض، صدقكم الذي حدثكم صدقكم الذي حدثكم { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }.
أنظروا إلى مكر الله عز وجل وحفظه لنبيه صلى الله عليه وسلم، خرج أمامهم حثا التراب على رؤوسهم، مشى من بينهم، كل بيده سيف، وهم من أكابر المجرمين وأبطالهم، ومع هذا، نجاه الرب عز وجل، فهو حافظ لعبده ولخليله.
توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت أبي بكر، وكان أبو بكر ينتظره، فخرجا إلى جبل فيه غار إسمه غار” ثور” في أسفل مكة، قبل أن يدخل إلى الغار، دخل أبو بكر يستطلع الغار قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فيه جُحْرين، غطى أحدهما بثوبه، أما الآخر فوضع أبو بكر قدمه فيه فأغلقه، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عند أبي بكر وكان مُتعبا مُجْهَداً فوضع رأسه على رجل أبي بكر ونام النبي صلى الله عليه وسلم
أما أبو بكر فقد لدغه شيء برجله تألم، أصابه ألم شديد لكنه ما تحرك حتى لا يوقظ النبي صلى الله عليه وسلم، دمعت عين أبي بكر فسقطت على وجه النبي فاستيقظ، قال مالك يآ أبا بكر، قال لا شيء يارسول الله، قال مالك، قال لَدَغَنِي شَيء برجلي، قال أرني إيَّاهَا، فرأها فدعا الله وَنَفَثَ على قدمه فَبَرِئَ رضي الله عنه.
أما كفار مكة أهل قريش، فإحتاروا وأخذوا يبحثون عن رسول الله وعن أبي بكر، فجالوا في مكة فلن يجدوهما، فخرجوا خارج مكة، وجاءت الفرسان فوصلت إلى ذلك الغار، فوقف الفرسان عند “غار ثور” والنبي وأبو بكر في الداخل، فحزن أبو بكر وخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال ما لك يآ أبا بكر، قال لاشيء، لو نظر أحدهم إلى قدمه لرآني يا رسول الله، فقط لو نزل رأسه الواحد لرآنا في هذا الغار، فقال النبي له ما ظنك بإثنين الله ثالثهما { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } لاتحزن يآ أبا بكر
وفعلا عم الله عز وجل على الفرسان فذهبوا ولم يجدوا شيئا، أما أبو جهل إنطلق في نفر إلى بيت أبي بكر فطرق الباب، فإذا هي أسماء بنت أبي بكر، قال أين أبوك، قالت لا أدري، قال بل تدرين، قالت لا أدري، فلطمها على خدها وسقط القُرط من أذنها وسال الدم على وجهها، أما الخبيث أبو جهل، ذهب أيضا يبحث عن رسول الله في كل مكان، وجاء جد أسماء، والد أبي بكر “أبو قُحَافَهْ” وكان شيخا ضريرا، دخل على حفيدته أسماء قال لا أرى أبا بكر إلا فجعكم بنفسه وماله، قالت لا، ترك لنا خيرا كثيرا، فوضعت أسماء حجرا عليه ثوب في سُرَةٍ ظن الجد أنها أموال، قال إما أنه قد ترك لكم هذا فقد أحسن، تقول أسماء، أخذ أبو بكر كل ماله فِداءًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يترك لأهله شيء، ثلاثة أيام أبو بكر ورسول الله في الغار، من الذي يقوم عليهما، آل أبي بكر، أما أسماء فقد كانت توصل لهما الطعام، أما عبد الله إبن أبي بكر، فكان يجلس في مكة بالنهار يستطلع الاخبار، فإذا جاء الليل ذهب إلى والده وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطلعهما على أخبار مكة، ماذا فعلت قريش وماذا صنعت
“عامر إبن فُهيرة ” هذا مولاى لأبي بكر، كان يأتي بالغنم يغطي أثار إبن وإبنة أبي بكر، أما قريش فقد جعلت مائة ناقة مكافأة لمن يأتي بأبي بكر ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحان موعد الخروج من الغار ينطلقان إلى المدينة، مدينة رسول الله .
قرَّبَ أبو بكر، جاء براحلتين جَهَّزَهُمَا للهجرة، قال إختر أحسنهما يا رسول الله، قال بل الراحلتين لك، قال لا والله يارسول الله بل هي لك، وكانت أسماء قد جاءت بالطعام لكنها لم تجد شيئا تربط الطعام فيه بالراحلة، فشقت نِطاقها وربطت الطعام، فسميت ذات النِّطاقين، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في أخطر وأعظم رحلة في تاريخ هذه الامة.
إنطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق على راحلتيهما، يَدُلّهما في الطريق “عبد الله إبن أريقط” والله عز وجل يحفطهما، يسيران في عين الله جل وعلا من مكة متجهين الى المدينة، قريش من شدة حرصها على القبض على رسول الله وصاحبه أو قتلهما، جعلت مائة ناقة لمن جاء بهما حيين أو ميتين، فحرص الفرسان على هذا، وفي مرة كان أهل قريش جالسين في مجلس فيه رجل إسمه “سُراقة إبن مالك ” إذ جاء رجل من خارج مكة ودخل، قال رأيت في الطريق كذا وكذا، ثلاثة رجال أظنهم محمد وصاحبيه، فقال سُراقة، عَلِمَ أنه محمد، لكن قال هؤلاء آل فولان، لقد رأيتهم يخرجون، أراد أن يُعَمِّيَ على أهل قريش وهو يعلم أنه محمد وصاحبيه، فأسرع إلى بيته وأخذ سلاحه وركب فرسه متجها إلى الطريق نفسه، أسرع سُراقة على الفرس متجها إلى ذلك الطريق، إلى رسول الله وصاحبه أبي بكر الصديق، يريد القبض عليهما ليحصل على هذه المكافأة، وكلما إقترب من رسول الله وأبي بكر الصديق صاحبه، إذا بفرسه يسقط في الارض، يتعثر ويسقط وتسيخ قدماه في الارض، فيقوم مرة أخرى فيُسرع بإتجاه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وكلما إقترب تسيخ فرسه وقدما فرسه في الارض، فيتعثر منها ويسقط، حتى أن أبا بكر كان يخاف على رسول الله، فاشتد حُزنه فنظر النبي إليه فقال، يآ أبا بكر، ماظنك بإثنين الله ثالثهما، ما ظنك بإثنين الله ثالثهما { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ }.
سُراقة هنا عَلِم أنه ليس بقادر أن يُدرك رسول الله وصاحبه، فناداهما من بعيد فانتظراه، فجاء سُراقة إلى رسول الله، علم أن في الامر شيء، علم أن الله يحفظه، علم أنه ليس بقادر عليهما، فعرض النبي عليه عرضا قال، ما رأيك يا سُراقة أن ترجع حيث آتيت، إرجع إلى بلدك، إرجع إلى قومك، فَعَمِي علينا، أي غطي علينا الاخبار، لا تخبر قريش عنا وعن طريقنا، قال وماذا لي، قال لك سِوارُ كِسْراَ، أعظم دولة في تلك الزمان، أعظم دولة وأعظم رئيس كسرا، قال سأعطيك سِواره كيف يقول النبي هذا، إلاَّ إن كان وحيا يوحى إليه، فأخذ رُقعة فيها هذا الوعد ورجع، وفعلا سُراقة أسلم متأخرا، ثم خرج في جيش عمر الذي فتح فارس، فلما أعطي عمر إبن الخطاب سوار كسرا، ندى في الجيش، أين سُراقة، لابد أن يكون سُراقة بيننا، فلما جيئ بسُراقة، قال هذا وعد رسول الله، سوار كسرا لك يا سُراقة.
رجع سُراقة إلى مكة وغطى الخبر، وعَمَّ على رسول الله وصاحبه، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه في حفظ الله ورعايته إلى المدينة، وكلهم ينتظرونه، هناك
في الطرق أحس النبي وصاحبه بجوع وعطش، فرأيا خيمة من بعيد ، فأسرع النبي مع أبي بكر والدليل إلى تلك الخيمة، فلما جاء إليها فلم يجدوا فيها إلا إمرأة” أمُّ مَعْبَدْ الْخُزَاعِيَّة” فإذا بالنبي يُسلم فيستأذنها بطعام وشراب، قالت هذه سنة جدب وقحط ليس عندنا شيء، ما عندنا شيء، فرأى النبي شاة هزيلة ضعيفة ليس فيها لبن، قال ما هذه الشاة، قالت تخلفت عن الشياه وليس فيها شيء ما تستطيع أن تمشي حتى مع الغنم، قال هل لي بها بلبنها، قالت جف ضرعها ليس فيها شيء، قال أستأذنك بها فأعطتها لرسول الله وهي لا تدري أنه رسول الله، فدعا النبي لها ومسح على ضرعها، ثم حلب اللبن، وإذا بالضرع يمتلئ ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حلب اللبن فإذا به يملأ الاناء كله فشرب، ثم شرب صاحبه، ثم شرب أهل الدار، ثم ملأ القِرب بلبن تلك الشاه ورجع ضرعها كما كان، كأن لم يُأخذ منه شيء، ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما أم معبد تعجبت، ما هذا الذي حصل، كيف يجري هذا، بل إن النبي ترك مع صاحبه أبي بكر خيمة أم معبد، فرجع زوجها بعد زمن فأخبرته بالقصة، وأخبرته بالخبر، فقال لها ومن الذي مر عليك، فذكرت أوصافه، قال أظنه محمد وصاحبه ،لا يفعل هذا إلا محمد وصاحبه، ثم إنطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم متجها ،إلى المدينة، إلى موطنه بعد مكة، بعد أن تخلى وخرج منها وهو ينظر إليها حزينا، قال والله إنك أحب البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منها ما خرجت منها أبدا وانطلق يحفظه الرب عز وجل.
لا تنسونا من صالح الدعاء
كنبه: عبد الغني محياوي