حسن غربي – الحسيمة
بين أصوات البندير وأوتار العود التي كانت تُلهب القلوب في ليالي الريف، يجد فنانو الحسيمة ومنطقة الريف عامة أنفسهم اليوم خارج أسوار المهرجانات الكبرى، وفي مقدمتها مهرجان “اتصالات المغرب”، الذي بات مرادفاً لإقصاء ممنهج للفن المحلي، في تكرار ممل لمشهد الإقصاء الثقافي الذي طالما اشتكى منه الفنانون والجمهور معاً.
رغم الجهود الجبارة التي تبذلها الفرق الموسيقية والفنانون المحليون من أجل تطوير أعمالهم وتجديد خطابهم الفني، إلا أن نداءاتهم لا تلقى سوى صدىً باهتاً لدى الجهات المنظمة.
بلغة الواقع، يُمنعون من الصعود إلى الخشبات المقامة على أرضهم، في تناقض صارخ مع شعارات دعم التنوع والهوية الثقافية التي تُرفع في كل مناسبة.
هذا التهميش المتواصل لا يُفهم إلا كرسالة ضمنية مفادها أن الريف يُحتفى به في الصور فقط، أما فنّه وفنّانوه، فمكانهم خارج دائرة الضوء. المشهد لا يكتمل دون الإشارة إلى الوجوه الجديدة في “كواليس” التنظيم: سماسرة وأشباه وكلاء أعمال، بعضهم لا يملكون من المهنية سوى الألقاب، يسوّقون الأوهام للفنانين الباحثين عن فرص، ويستغلون حاجتهم لتحقيق أرباح شخصية.
هؤلاء “الوسطاء” الجدد باتوا يتحكمون في مفاتيح الدخول إلى المنصات، خارج أي ضوابط قانونية أو أخلاقية، مما حول بعض المهرجانات إلى أسواق مغلقة يُباع فيها الحضور الفني لمن يدفع أكثر أو يرضخ لشروط غير شفافة.
وسط هذا المشهد المربك، أبدت عدة فرق موسيقية وفعاليات ثقافية تضامنها الواسع مع الفنانين المحليين، مطالبة بضرورة إرساء عدالة ثقافية تضمن الإنصاف في البرمجة الفنية، وترسخ مبدأ تكافؤ الفرص في وجه الإقصاء المنظم.
إن مسؤولية وزارة الثقافة، والجماعات الترابية، والشركات الراعية للمهرجانات، أصبحت ثقيلة أمام هذا الوضع. إذ لا يكفي تمويل الحفلات وتزيين الساحات العامة، بل المطلوب اليوم هو تصحيح المسار من خلال اعتماد معايير واضحة، والقطع مع ممارسات الزبونية والوساطة غير المشروعة، والتعامل مع الفنانين المحليين باعتبارهم ركائز حقيقية في صون الذاكرة الفنية للريف، وليسوا فقط حشوداً تُستدعى للفرجة.
الهوية الثقافية لا تُستورد من خارج المنطقة، بل تنبع من داخلها. وفنانو الريف، بصوتهم وذاكرتهم، يستحقون أكثر من مجرد تصفيقٍ في الهامش. إنهم يستحقون مكانهم الطبيعي على الخشبة.
تعليقات الزوار