هبة زووم – الرباط
في زمن أصبحت فيه جودة الخدمات الرقمية معيارًا أساسيًا لقياس تطور المجتمعات، يبدو أن شركة اتصالات المغرب قررت أن تسير عكس التيار، مكتفية بسياسة “ذر الرماد في العيون”، وأبسط مثال على ذلك رقمها “124” الذي خُصص لتلقي شكايات الزبائن المرتبطة بالأعطاب التقنية… لكنه تحوّل فعليًا إلى مجرد صدى مملٍّ لصوت الزبون، لا يسمعه أحد.
عند كل اتصال بهذا الرقم، يُستقبل الزبون – أو بالأحرى يُحتوى – من طرف فتيات يرددن نفس الجملة المحفوظة: “تم تحويل شكواك إلى الجهة المختصة”، وكأن الأمر طقس يومي لتفريغ الغضب لا غير. لا توضيحات، لا معطيات، لا توقيت لإصلاح محتمل، ولا حتى اعتذار عن سوء الخدمة. فقط آلية بروتوكولية باردة تحوّل الزبون إلى رقم في لائحة انتظار لا تنتهي.
خدمة “الانتظار”… خدمة مدفوعة الثمن
المفارقة الساخرة أن الزبون المغربي، بدل أن يُكافأ على صبره، يجد نفسه يدفع من ماله ووقته مقابل خدمة تضعه في “غرفة الانتظار الكبرى”، وتمدّه بآمال زائفة بأن العطب سيتم إصلاحه في غضون 24 إلى 48 ساعة. لكن الواقع في كثير من الحالات يكذّب هذا الادعاء، خاصة في المناطق المتوسطة أو الهامشية حيث يتعطل الإنترنت لأيام دون رد، وتتكرّر هذه المهزلة مع كل عطب.
“اتصالات المغرب” والاختباء خلف مراكز الاتصال
شركة اتصالات المغرب، التي تتباهى بشعارات مثل “الزبون أولًا” و*”شبكة في خدمتكم”*، يبدو أنها اختارت الهروب إلى الأمام، فبدل أن تتفاعل بجدية مع شكايات زبنائها، قررت أن تختبئ خلف واجهات مراكز الاتصال، وكأنها بذلك تُنهي التزامها.
هذا الهروب المُمنهج لا يخلو من استخفاف واضح بذكاء المغاربة، الذين باتوا يدركون أن خدمة الزبون لدى اتصالات المغرب ليست سوى واجهة تسويقية جوفاء، تخفي وراءها واقعًا مريرًا من رداءة البنية التحتية، وضعف الاستجابة، وانعدام المحاسبة.
زبون بلا بدائل… واحتكار يقتل المنافسة
الأدهى من ذلك أن الزبون لا يملك بديلًا حقيقيًا. فالسوق المغربي للاتصالات، الذي يُفترض أنه مفتوح على المنافسة، يشهد تواطؤًا شبه معلن بين الشركات الثلاث الكبرى، في تقاسم الحصص والسوق دون إحداث فارق حقيقي في الخدمات أو الأسعار.
لا مفاجأة إذًا أن يشعر المواطن المغربي بأنه محاصر بخيارات محدودة، ويُجبر على القبول بخدمة أقل من متوسطة، فقط لأن لا خيار أمامه سوى “الاتصال ثم الانتظار… ثم النسيان”.
من يُحاسب من؟
في ظل هذا الوضع، يبرز سؤال مُلح: أين الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات (ANRT)؟ وأين مؤسسات حماية المستهلك؟ وأين دور البرلمان في مساءلة هذه الشركات التي تفرض أسعارًا مرتفعة مقابل خدمات متدنية دون حسيب أو رقيب؟
وإلى أن يُفتح نقاش عمومي حقيقي حول جودة خدمات الاتصالات في المغرب، سيبقى رقم “124” رمزًا لسياسة الضحك على الذقون، ودرسًا في كيف تُدار خدمة الزبائن عندما يتحوّل الزبون إلى رهينة.
تعليقات الزوار