هبة زووم – مكناس
لم تعد المحطة الطرقية بمدينة مكناس مجرد نقطة عبور للمسافرين، بل تحولت، في مشهد صادم، إلى فضاء مفتوح للفوضى والانفلات، حيث يفرض “الكورتيا” قانونهم الخاص، في غياب واضح لهيبة الدولة وتراجع مقلق لمنسوب الردع.
حادثة الاعتداء الأخيرة التي استهدفت أحد المسافرين، ليست مجرد واقعة معزولة، بل حلقة جديدة في مسلسل متكرر من الإهانات اليومية التي يتعرض لها المواطن داخل هذا المرفق العمومي.
فأن يُعتدى على مسافر لفظيًا وجسديًا من طرف وسيط غير قانوني، معروف بسوابقه، فذلك أمر خطير… لكن الأخطر منه أن يحدث هذا على مرأى ومسمع من عناصر يفترض فيها حماية النظام، دون تدخل حازم وفوري يضع حدًا لهذا العبث.
ما يقع اليوم داخل المحطة الطرقية بمكناس يكشف، دون مواربة، عن اختلال بنيوي في تدبير هذا الفضاء، حيث تُرك المجال لعناصر دخيلة لتتحكم في حركة المسافرين، وتفرض عليهم خدمات مشبوهة بالقوة أو الابتزاز، في مشهد يُسيء إلى صورة المدينة ويقوض ثقة المواطنين في المؤسسات.
الأمر لم يعد يتعلق فقط بظاهرة “الكورتيا”، بل بمنظومة تسيير سمحت لهذه الظاهرة أن تتجذر وتتحول إلى واقع يومي، فكيف يمكن تفسير استمرار تواجد أشخاص من ذوي السوابق داخل مرفق عمومي حساس؟ وأين هي آليات المراقبة؟ وأين دور الإدارة في ضبط الفضاء وتنظيمه؟ ثم كيف يُعقل أن تتكرر الاعتداءات في ظرف زمني وجيز دون أن تُتخذ إجراءات رادعة؟
الصمت الذي يلف هذه الوقائع لا يقل خطورة عن الأفعال نفسها، لأنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن الفوضى يمكن أن تستمر دون محاسبة، وأن كرامة المواطن ليست أولوية، وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول جدية التدخلات الأمنية، ومدى نجاعة المقاربة المعتمدة في تدبير هذا المرفق.
إن المحطة الطرقية، باعتبارها واجهة حضرية وخدمة عمومية أساسية، لا يمكن أن تظل رهينة لهذا الانفلات. فالمطلوب اليوم ليس مجرد تدخل ظرفي، بل قرارات حازمة تعيد فرض القانون، وتطهر الفضاء من كل الممارسات غير القانونية، وتضع حدًا لهيمنة الوسطاء غير الشرعيين.
ما يحدث في مكناس اليوم ليس تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر خطير على تراجع الإحساس بالأمن داخل فضاءات يفترض أن تكون محمية، وإذا استمر هذا الوضع دون تدخل حقيقي، فإن السؤال لن يكون فقط: من يحمي المسافرين؟ بل: من يحمي صورة الدولة نفسها داخل مرافقها العمومية؟
تعليقات الزوار