د.لحسن البرمي
لقد أبان الملك محمد السادس منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين على مسار دبلوماسي وسياسي متميز مكن المغرب من حضور إقليمي وقاري ودولي بار مستثمرًا جلالته ما منحه الفصل 42 من الوثيقة الدستورية من اختصاصات تجعله رئيس الدولة وممثل الأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها.
لذلك، عمل الملك على رسم معالم وتجلّيات السياسة الخارجية للبلاد، محافظًا على المبادئ والمكتسبات التي راكمها المغرب منذ استقلاله ومبدعًا لأشكال دبلوماسية مكنت المغرب من الاضطلاع بأدواره على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية تتناسب مع ثقله التاريخي وموقعه الاستراتيجي وتطلعاته المشروعة ومسؤولياته وواجباته الأخلاقية في ضمان التنمية وحفظ الاستقرار والأمن والسلم.
وهكذا، ظل الملك محمد السادس يلعب دورًا بارزًا في شؤون السياسة الخارجية، وهو ما أعطى نوعًا من التناغم للسياسة التي تنتهجها المملكة واستمراريةها مهما كانت طبيعة الحكومة. وكانت توجيهاته لعمل مؤسسات الدولة بمثابة خارطة طريق لبلوغ التقاءية حول أهداف الدبلوماسية المغربية التي ينبغي أن تتماشى مع متطلبات لحظة البلد ومصالحه وتدافع بشكل أفضل عن الوطن
وقد أعرب جلالته في الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في اليوم الوطني للدبلوماسية المغربية يوم 28 أبريل من سنة 2000، عن مفهومه الجديد للدبلوماسية التي لم تعد تلك الدبلوماسية التقليدية بمفهومها الكلاسيكي المتمثل في جهاز وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية التي باتت تواجه تحديات كبيرة بسبب التقدم الهائل لوسائل الاتصال والإعلام والنقل والتوسع المضطرد للتعاون الدولي وانفتاح المجتمعات على بعضها البعض ضمن عولمة شمولية وتداخل الداخلي بالخارجي وظهور موضوعات جديدة وكثيرة ومعقدة وتقنية على جدول أعمال السياسة الخارجية كالإقتصاد والتجارة والمال والنقد والشغل والهجرة والأمن والبيئة وحقوق الإنسان والثقافة.
ودخول فاعلين جدد في العمل الدبلوماسي من مجالس برلمانية وجماعات محلية ومنظمات غير حكومية ومقاولات بل وحتى أشخاص ذاتيين مثل كبار المبدعين والمُثقّفين والفنانين والأبطال الرياضيين. ناهيكم عن المكانة البارزة للمنظمات الدولية الجديدة الإقتصادية والمالية والتجارية وما لها من دور تشريعي متميز وأهمية متزايدة للدبلوماسية الوقائية
هاته مقتطفات من رسالة جلالة الملك. وبهذا الخطاب يكون جلالته قد رسم الفلسفة الجديدة للدبلوماسية التي تجعل من وضوح المواقف لدى شركائه حول القضية الوطنية الأولى معيارًا أساسيًا لما قال في خطاب الذكرى الـ69 لثورة الملك والشعب: إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات الدبلوماسية الملكية المتعددة الأبعاد يعتمد المغرب، بقيادة جلالة الملك، في إدارة السياسة الخارجية على دبلوماسية متعددة الجبهات برلمانية واقتصادية وثقافية وروحية وبيئية ورياضية ومواطنة. فعلى المستوى البرلماني، يُحثّ جلالته على توطيد أواصر التعاون وتبادل الخبرات بين البرلمان المغربي وبرلمانات الدول الأجنبية أو مع المنظمات البرلمانية كالِإتحاد البرلماني الإفريقي والإتحاد البرلماني العرب
وفي المجال الإقتصادي، الذي من شأنه أن يعزز التحول نحو دبلوماسية تخدم التنمية الإقتصادية للمملكة وتحافظ على مصالحها الإستراتيجية ذات الأولوية اعتمدت الدبلوماسية على الحضور للشركات والمقاولات ورؤوس الأموال المغربية في الأسواق الإقتصادية الخارجية التي باتت اليوم تشكل الترويج الإقتصادي المغربي في الخارج وإسماع صوت المغرب في المنتديات الإقتصادية
كما شكّلت الدبلوماسية الثقافية اليوم احدى سمات الدبلوماسية المغربية كقوة ناعمة، وركيزة أساسية لإبراز الثقافة المغربية وترويجها في المحافل الدولية كأرض تمزج الحضارات بفضل تنوعها الثقافي واللغوي
أما الدبلوماسية الروحية للمملكة، بقيادة جلالته بصفته أميرًا للمؤمنين، فتستمد جوهرها من خصوصيات النموذج المغربي للإسلام والذي يرتكز على المذهب السني المالكي والعقيدة الأشعرية التي تعزز فضائل الاعتدال والوسطية واحترام الآراء والمعتقدات في سياق دولي يتسم بتنامي التطرف والعنف والغوغاء. وقد ساهم جلالته في تكوين الأئمة بكل من تونس وغينيا ومنطقة الساحل وإفريقيا الغربية. وأثبت المغرب نفسه اليوم كمرجع دولي في التساهل والحوار بين الحضارات والدّيانات، مسجّلًا نقاط إيجابية ضد خصومه الذين يغِيظهم ما تحققه الدبلوماسية الملكية من إنتصارات وفتوحات تزيد من شأن المغرب وتُقَزّم من أعدائه
وفي ساحة العلاقات الدولية تبرز الدبلوماسية الرياضية كإستراتيجية ماهرة في تفوق المغرب الجيوسياسي مستغلاً مؤهلاته الرياضية وإنجازاته الخارقة في البطولات القارية والعالمية. جعلت المغرب قادرًا على جذب الآخرين والتأثير عليهم مستغلًا الفرص التي توفرها الرياضة كأداة لتعزيز الحوار وربط أواصر التعاون بين الأمم والشعوب وتعزيز السلام. ولعل الثقة التي حظيت بها المملكة لاحتضان كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030 لتعّد ثمرة هذه الدبلوماسية الرياضية
وختاما سيداتي وسادتي ، أسأل الله تعالى أن يوفق جلالة الملك محمد السادس بعينه التي لا تنام ويحفظ ولي عهده بما حفظ به الذكر الحكيم ، ويحفظ وطننا العزيز، أمين والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته
الدكتور لحسن البرمي
أستاذ التعليم العالي
عضو مجلس الرئاسة-اكاديمية التفكير الاستراتيجي- درعة تافيلالت
تعليقات الزوار