التوفيق: ضعف التدين يرهق الدولة وإصلاح المجتمع رهين بتقوية الوازع الديني

هبة زووم – الرباط
أثار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، نقاشاً واسعاً خلال عرضه أمام الملك محمد السادس بمناسبة تخليد ذكرى المولد النبوي الشريف، بعدما ربط بشكل صريح بين ضعف التدين السلوكي وارتفاع كلفة تدخل الدولة لإصلاح أعطاب المجتمع.
الوزير لم يكتف بالخطاب الديني التقليدي، بل استند إلى مؤشرات إحصائية ترصد تراجع التدين في المغرب من زاوية السلوك العملي، مؤكداً أن هذا التراجع له كلفة باهظة تتضاعف كل عام.
وهو تصريح يحمل في طياته اعترافاً رسمياً بأن الإشكال لا يكمن في الخطاب الديني في ذاته، بقدر ما يكمن في ترجمته إلى سلوك يومي، وفي قدرة المؤسسات على جعل هذا الخطاب مؤثراً وملامساً للتحولات الاجتماعية.
التوفيق شدد على أن تقوية الوازع القرآني باتت حاجة ملحّة، ليس فقط للمواطنين، بل أيضاً للمسؤولين عن التنمية بمختلف مواقعهم. غير أن اللافت هو توصيفه للدين كـ “نظام حياة شامل”، يتجاوز كونه مجرد جانب روحي أو أخلاقي.
هذا الطرح يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول العلاقة بين الدين والسياسة، وبين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، خاصة في ظل تعدد المرجعيات والقيم في المجتمع المغربي.
أحد أبرز الجوانب التي توقف عندها الوزير هو تقييم خطب الجمعة، حيث استند إلى تحليلات الذكاء الاصطناعي التي أجمعت – بحسبه – على إيجابية هذه الخطب، لكنها في الوقت ذاته تساءلت عن مدى تأثيرها العملي في حياة الناس.
هنا يضع التوفيق الكرة في ملعب المتلقي، معتبراً أن التأثر مسؤولية شخصية، وهو موقف يثير تساؤلاً نقدياً: هل يكفي إلقاء الخطب وصياغة خطط تبليغ، أم أن الأزمة أعمق وتتعلق بتحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية تجعل تأثير الخطاب الديني محدوداً؟
الوزير وصف جهود المغرب في التأطير الديني، تحت رعاية المجلس العلمي الأعلى وإمارة المؤمنين، بأنها مشروع يطمح إلى “آفاق كونية”. لكن السؤال الجوهري يظل مطروحاً: هل يستطيع هذا المشروع أن يقدّم نموذجاً قابلاً للتطبيق في مواجهة تحديات مثل ضعف الثقة في المؤسسات، انتشار الفردانية، وصعوبة التوفيق بين الدين كمرجعية شاملة وبين ضرورات الدولة المدنية الحديثة؟
في محاولة لتأصيل مشروعه، استشهد التوفيق بالآية القرآنية: “من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة”. وقدّم الإيمان باعتباره تحرراً من الأنانية، والعمل الصالح كسلوك نفع متبادل.
غير أن التحدي المطروح يبقى في كيفية ترجمة هذا التصور إلى برامج عملية تمس حياة المواطنين اليومية، بعيداً عن الطابع الوعظي أو التنظيري.
ما عرضه التوفيق أمام الملك يفتح المجال لتساؤلات أعمق: هل يمكن تحميل الفرد وحده مسؤولية ضعف التدين؟ أم أن هناك مسؤولية مؤسساتية مرتبطة بالتعليم، والإعلام، والسياسات العمومية، في تكريس قيم أو تقويض أخرى؟ وهل يملك المجلس العلمي الأعلى القدرة، وحده، على صياغة نموذج شامل، أم أن الأمر يستدعي انخراطاً جماعياً لمختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين؟
خطاب التوفيق يعكس رؤية رسمية ترى أن إصلاح المجتمع يبدأ من تقوية الوازع الديني، لكنه في الوقت نفسه يثير نقاشاً حيوياً حول مدى نجاعة هذه المقاربة في مواجهة تعقيدات الواقع. فبين الدين كنظام حياة، والدولة كفاعل اجتماعي وسياسي واقتصادي، يبقى السؤال معلقاً: كيف يمكن بناء نموذج مغربي متوازن يوفق بين المرجعية الروحية ومقتضيات العصر؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد