هبة زووم – إلياس الراشدي
عادت أزمة الحكامة داخل مجلس مدينة الدار البيضاء لتطفو على السطح من جديد، بعد حادث غير مسبوق هزّ أشغال لجنة التعمير والممتلكات وإعداد التراب والبيئة.
فقد وجد المستشارون أنفسهم، صباح يوم أمس الخميس، في حالة ذهول بعد توصلهم برسالة عبر تطبيق “الواتساب” تتضمن مضامين خطيرة، تزامنًا مع إعلان الحسين نصر الله، نائب العمدة المكلف بالممتلكات، انسحابه من رئاسة اللجنة خلال اجتماع رسمي خُصص للإعداد للدورة الاستثنائية المقبلة.
هذا التطور ألقى بظلال كثيفة على أكبر مدينة في المغرب، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات هيكلية في التدبير، وتعيش اليوم على وقع صراعات داخلية تتجاوز الخلاف السياسي لتتحول إلى معركة حول مستقبل المدينة ومواردها.
أزمة أخلاقية قبل أن تكون مؤسساتية
ما يحدث في الدار البيضاء لا يمكن اختزاله في انسحاب منتخب أو رسالة مفاجئة، بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من التشكيك في نزاهة بعض القرارات المرتبطة بتدبير الممتلكات الجماعية، ورخص التعمير، والصفقات الكبرى.
فالمدينة، التي تشكل القلب الاقتصادي للمغرب، أصبحت ساحة مفتوحة أمام من يرى فيها “مشروعًا تجاريًا” أكثر من كونها فضاءً عمومياً يعيش فيه ملايين المواطنين.
هنا، تختلط السلطة بالمال، وتتيه الحقيقة في دهاليز اللجان، ويُصبح المنتخَب مجرد رقم صغير في معادلات أكبر منه بكثير.
هل ما زال الوطن يُدار بهاته الطريقة؟
الوطنية ليست تهريب أموال الشعب إلى الخارج، ولا بناء حسابات منتفخة في بنوك بعيدة، ولا تأسيس واجهات تجارية تخفي شبكات النفوذ والصفقات المشبوهة.
الوطنية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي التزامٌ يومي بحماية المال العام، واحترام القانون، وصون كرامة المواطن الذي يكدح من أجل قوت يومه.
في الدار البيضاء، يشعر المواطن أن المدينة تُساق نحو هاوية تُصنع ببطء وبيد من يُفترض أن يحموها، يشعر أن أحلام الشباب تُنهب كما تُنهب ميزانيات التهيئة، وأن تعب الناس يُصرف دون حساب، وكأن المدينة ملك خاص لمن يجلسون في مواقع القرار.
العاصمة الاقتصادية تحتاج إلى صحوة
الدار البيضاء لا تحتاج إلى خطب، بل إلى رجال دولة يضعون مصلحة المدينة فوق كل اعتبار.
تحتاج إلى من يستطيع أن يقول “لا” للوبيات العقار، ولمنتفعين يحاولون تحويل كل شارع إلى صفقة، وكل رخصة إلى غنيمة.
فالمدينة لن تُبنى بالسكوت، ولن تستعيد كرامتها بالموالاة، بل بالجرأة على فضح التجاوزات، وفتح الملفات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فلا أحد فوق القانون ولا مدينة تستحق أن تُدار على هذا النحو.
البيضاويون يستحقون مدينة تحترمهم
إن الدار البيضاء ليست للذين يبيعون ترابها، ولا للذين يرون في شوارعها منجمًا للربح، ولا لمن يعتبر تسييرها مجرد منصة للامتيازات، هي مدينة يعيش فيها ملايين الناس، يحلمون بوطن أكثر عدلاً، وبفضاء يليق بكرامتهم.
فمن حق البيضاويين أن يرفعوا صوتهم: المدينة ليست للبيع… والمال العام ليس غنيمة! ومن واجبنا جميعًا أن نحمي هذا الوطن – مدنًا وأرضًا وأحلامًا – من الذين يحاولون سرقة مستقبله.
تعليقات الزوار