هبة زووم – الرشيدية
في مدينة الرشيدية، لم يعد تناسل المقاهي مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح موضوعًا سوسيولوجيًا يستحق الدراسة. فحتى نهاية القرن الماضي، كانت المقاهي فضاءات للمواعيد الاجتماعية، أماكن لمراجعة الدروس للطلبة، ومقاهي للمثقفين وموظفي القطاعات المختلفة للقراءة والكتابة، لكن الوضع تغير جذريًا اليوم.
تشير المعطيات إلى أن عدد المقاهي في المدينة قد بلغ ما يقارب ألف مقهى، تتنوع بين مقاهي القهوة والمشروبات الساخنة، حتى بدا وكأن كل مقهى يفتح المجال لآخر، دون أي ضبط أو تنظيم.
يتساءل المراقبون: هل أصبح المقهى فضاءً اجتماعيًا قائم الذات يُنسج فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، المعاملات المالية، النقاشات السياسية والعاطفية، أم أنه مجرد استثمار مربح يجذب أصحاب الأموال، حتى صارت كل زاوية في المدينة مكانًا لافتتاح مقهى جديد؟
في الواقع، تتحول المقاهي إلى ملاذ يومي للشباب العاطل والباحث عن متنفس في زمن الفراغ والبطالة. الكوب الواحد من الشاي أو القهوة قد يمتد لساعات، ليمنح مرتاديه على الأقل شعورًا بالانتماء. لكنها هنا تطرح أسئلة مؤرقة: هل المقاهي تخفف من أزمة البطالة، أم أنها تكرسها عبر تحويل الانتظار إلى عادة، والفراغ إلى أسلوب حياة؟
ولا تقتصر وظيفة المقاهي على التسلية أو الاستراحة، بل تتحول أحيانًا إلى نقاط مراقبة اجتماعية. من يجلس في الزاوية المطلة على الشارع يعرف من دخل ومن خرج، من مر ومن غاب، وتنتقل هذه الملاحظات إلى ما يشبه صحافة المقهى المحلية، بدون محررين أو مدققين، لكنها تعكس نبض المدينة وتفاصيلها اليومية.
في الرشيدية، تبدو المقاهي اليوم أبعد بكثير من مجرد مكان لشرب القهوة أو متابعة مباريات الكرة. فهي فضاءات دعم اجتماعي غير رسمي، في ظل تراجع مؤسسات الوساطة وتآكل الروابط الأسرية، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات جديدة على مستوى التنظيم والرقابة، لتوازن بين الحاجة الاجتماعية والفرص الاقتصادية، وبين الفضاء العام الخاص والمصلحة العامة.
تعليقات الزوار