هبة زووم – الرشيدية
قد تسأل شخصًا في شارع مدغرة بالرشيدية عن مهنته، فيجيبك بثقة لافتة: “أنا مستشار جماعي”، جملة قصيرة، لكنها تختزل تحوّلًا مقلقًا في الوعي والممارسة، حيث لم تعد الصفة الانتدابية وظيفة تمثيلية مؤقتة لخدمة الصالح العام، بل تحوّلت عند بعضهم إلى هوية اجتماعية كاملة، وأحيانًا إلى مهنة غير مُعلنة لتدبير المصالح وبناء النفوذ وتراكم الثروة.
في الأصل، المستشار الجماعي منتخب يُفترض أن يؤدي مهمة تطوعية محددة زمنياً، خاضعة للمساءلة والمحاسبة. لكن الواقع يكشف، في حالات بعينها، عن انزلاق خطير: من خدمة المواطن إلى الاتجار في الوساطة، ومن التمثيل إلى الاستثمار في الموقع.
المفارقة أن هذا التحول لا يُسجَّل دائمًا في ملفات القضاء، بل في الذاكرة الجماعية للمدينة. فهناك “سوابق” لا تعثر عليها في الأحكام القضائية، لكنها متداولة بين الناس: وساطات مشبوهة، تدخلات بلا صفة، استغلال علاقات، وتلاعب ذكي بالأمانة يجعل القانون يقف عاجزًا، لا لبراءة الأفعال، بل لصعوبة إثباتها.
إنها منطقة رمادية يتحرك فيها بعض المنتخبين بمهارة: لا خرقًا فاضحًا للنصوص، ولا التزامًا حقيقيًا بروحها. والنتيجة؟ فساد ناعم، صامت، لكنه أكثر فتكًا لأنه يتخفّى خلف الشرعية الانتخابية.
بمرور الوقت، يصبح التمثيل وسيلة لا غاية. يتقن البعض فن “الوصول”: الوصول إلى المكاتب المغلقة، إلى مراكز القرار، إلى شبكات النفوذ.
طقوس المجاملة، تقبيل الأيادي، وبناء صورة “الوسيط الضروري” تتحول إلى أدوات اشتغال يومية، لا علاقة لها بمطالب الساكنة ولا ببرامج انتخابية.
الأخطر أن هذا المسار لا يتوقف عند حدود الوساطة، بل قد ينزلق إلى الابتزاز المقنّع: تحويل الثقة إلى ورقة ضغط، والكرم إلى نقطة ضعف، وكل توقيع أو ملف إلى أداة إخضاع. هنا يصبح الموقع الانتدابي رافعة للمنفعة الخاصة لا أداة للرقابة أو الاقتراح.
في هذا المشهد، تختلط الأدوار: عضو نقابي، مستشار جماعي، “فاعل مدني”، كلها صفات قد تُستعمل – عند غياب الضوابط الأخلاقية – كأقنعة متداخلة لخدمة الهدف نفسه: تحقيق المكاسب المالية وبناء شبكة مصالح.
ولا يقف الضرر عند الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسة نفسها، التي تفقد هيبتها، وإلى العمل السياسي، الذي يتحول في أعين المواطنين إلى باب للاغتناء السريع لا قناة لخدمة الشأن العام.
ما يحدث يطرح سؤالًا لا مفر منه: متى يُعاد تعريف المسؤولية الانتدابية باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا؟ ومتى تُفصل الوساطة المشروعة عن السمسرة؟ ومتى يصبح المنتخب خاضعًا لرقابة فعلية، لا محميًا بشرعية الصندوق وحدها؟
إن أخطر ما في هذا النموذج ليس وجوده، بل تطبيعه، إلى حد يصبح فيه القول: “أنا مستشار جماعي” جوابًا عن المهنة، لا عن الصفة.
تعليقات الزوار