هبة زووم – الرباط
يعيش التحكيم بالمغرب على وقع جدل واسع خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما تعالت أصوات داخل الأوساط الرياضية تستفسر عن واقع كان من أنقى المجالات، لكنه اليوم يبدو في وضع معقد يثير أكثر من سؤال.
فمند مجيء رضوان جيد على رأس مديرية التحكيم، عرف القطاع تراجعا خطيرا يُعيد إلى الواجهة إشكالية الحكامة الرياضية وشفافية التدبير في مؤسسة حيوية تُفترض أن تكون حارس نزاهة الكرة المغربية.
سؤال وجودي يُطرح بقوة: إذا كانت مديرية التحكيم تتلقى دعماً مالياً كبيراً من الدولة، فلماذا لا تنعكس هذه الموارد على جودة الأداء وتأهيل الحكام؟ وأي رؤية استراتيجية هذه التي تُحوّل الميزانيات إلى أرقام في تقارير دون أثر ميداني ملموس؟
وفي هذا السياق، يتساءل متتبعون للشأن الرياضي بالمغرب عن كيفية استفادة المديرية من دعم مالي كبير دون أي إضافة ملموسة، وعن المعايير المعتمدة في اختيار الحكام وتأهيلهم للمشاركة الدولية.
هذا الغموض المالي يطرح إشكاليات جوهرية: لماذا لا تُنشر تقارير مالية دوري تُفصّل كيفية صرف ميزانية مديرية التحكيم؟ وأين هي معايير الاختيار الشفافة التي تحكم انتقاء الحكام للبطولات الدولية؟ وكيف يمكن ضمان عدالة الفرص بين الحكام بينما تُترك التعيينات رهينة تقديرات شخصية؟
فتحويل الدعم المالي من أداة تطوير إلى ورشة غموض لا يُهدر فقط المال العام، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة المسؤولين على جودة الأداء.
وفي سياق متصل، تشير مصادر مطلعة إلى أن الإشكال لا يقتصر على غياب النتائج، بل يمتد إلى هيكلة مديرية التحكيم نفسها، إذ يلاحظ أن عدداً من المقربين لرضوان جيد يشغلون مواقع حساسة، ما يطرح السؤال حول مدى قدرتهم على ضمان تسيير عصري متجدد يواكب متطلبات التحكيم الدولي.
هذا السياق “المشبوه” يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُعلن المديرية عن ملفات الكفاءات للمقربين الذين يشغلون مناصب قيادية؟ وأين هي آليات منع تضارب المصالح التي تمنع تعيين المقربين دون استحقاق مهني؟ وكيف يمكن استقطاب طاقات شابة قادرة على تطوير التحكيم بينما تُحجز المناصب لدائرة ضيقة؟
فاستمرار غموض التعيينات لا يُغذي فقط شكوك الأوساط الرياضية، بل يُهدر ثقة الحكام في قدرة المديرية على ضمان عدالة الترقية وتكافؤ الفرص، فمنذ مجيء رضوان جيد على رأس مديرية التحكيم، عرف القطاع تراجعا خطيرا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طريقة التدبير.
هذا التراجع الموثق يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن المديرية عن خطة إصلاح عاجلة لمعالجة الاختلالات المسجلة؟ وأين هي لجان التقييم المستقلة التي تقيس أداء الحكام ومردودية برامج التكوين؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين الحكام والمديرية بينما تُترك الشكاوى المشروعة رهينة الصمت الإداري؟
فتحويل القيادة الإدارية من فرصة تطوير إلى سبب تراجع لا يُهدر فقط كفاءة القطاع، بل يُعمّق شعور الحكام بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المديرية من داعم للمهنة إلى عقبة أمام تطورها.
ويُثار في هذا السياق حديث عن “لعنة بشرى كربوبي” التي تُطارد رضوان جيد، في إشارة إلى الجدل الذي رافق أداء الحكامة في مباريات حساسة.
لكن وراء هذا الرمز الإعلامي، يختفي سؤال جوهري: هل تُدار مديرية التحكيم بمعايير فنية أم باعتبارات شخصية؟ وأي حماية هذه التي تُقدم للحكام بينما تُترك قراراتهم رهينة ضغوط خارجية؟
فتحويل الأزمات التحكيمية من تحديات فنية إلى ساحة صراع شخصي لا يُهدر فقط مصداقية القطاع، بل يُرسّخ ثقافة التسييس الرياضي التي لطالما عانت منها الحكامة الرياضية في المغرب.
لم يعد مقبولا اليوم أن تُترك مديرية التحكيم رهينة “المحسوبية” والصمت الإداري، فما يحتاجه الحكام والأوساط الرياضية والمهتمون بالشأن الرياضي اليوم هو: شفافية راديكالية في تدبير الميزانية، مع نشر تقارير دورية تُفصّل كيفية صرف الموارد المخصصة للتحكيم، ومعايير واضحة وعلنية لاختيار الحكام، تضمن تكافؤ الفرص وتمنع أي محاباة أو تعيينات مشبوهة، خطة إصلاح عاجلة لتأهيل الحكام وتطوير آليات التقييم، مع إشراك خبراء دوليين لضمان مواكبة المعايير العالمية، ومراجعة شاملة لهيكلة المديرية، مع ضمان استقلالية اللجان التقنية ومنع تضارب المصالح في التعيينات.
ما يعيشه التحكيم المغربي مع ملف مديرية التحكيم ليس جدلا رياضياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الرياضية وقدرة رضوان جيد على تجاوز عقلية المحسوبية لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحرك السلطات الرياضية بجدية لإصلاح المديرية، وضمان شفافية التدبير، واستقطاب الكفاءات الحقيقية، وإما أن تستمر ثقافة المحسوبية التي تُحوّل التحكيم من حارس نزاهة الكرة إلى ساحة صراع تُهدر ثقة الحكام في قدرة مؤسساتهم على حماية مهنتهم.
الحكام المغاربة اليوم ينتظرون، والتحكيم ليس ساحة للمصالح الشخصية والميزانية ليست أرقاماً في تقارير والحكم ليس متفرجا على قرارات تُتخذ باسمه دون أن يُسمع صوته، والنزاهة ليست شعاراً والشفافية ليست رفاهية والتحكيم المغربي يستحق مديرية تُكرم كرامة حكامها بفرض احترام المعايير والكفاءة على الجميع.
تعليقات الزوار