مليارات على الورق ومعاناة على السكة: من يحاسب تدبير الخليع لقطاع النقل السككي؟

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يواصل فيه المكتب الوطني للسكك الحديدية تسويق أرقامه المالية اللامعة، مقدّماً نفسه كنموذج ناجح في التدبير والاستثمار، تتصاعد في المقابل أصوات المواطنين محمّلة بالغضب والتذمر، كاشفة عن واقع مغاير تماماً لما تروّج له البلاغات الرسمية، فهنا، لا يتعلق الأمر بمجرد تباين في وجهات النظر، بل بانفصام واضح بين خطاب الإنجاز وواقع الخدمة.
أن تحقق مؤسسة عمومية رقم معاملات يفوق خمسة مليارات درهم، فذلك معطى لا يمكن إنكاره، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما جدوى هذه الأرقام إذا كانت تجربة السفر بالقطار لا تزال محكومة بالاكتظاظ، والتأخيرات المزمنة، وظروف نقل لا ترقى إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية؟
المفارقة الصادمة تكمن في هذا التناقض الحاد: مؤسسة تتحدث بلغة الأرباح والنجاعة، مقابل مواطن يعيش يومياً لغة المعاناة والإرهاق، فهل أصبح النجاح المالي بديلاً عن جودة الخدمة؟ أم أن المواطن مطالب بالاكتفاء بالتصفيق للأرقام، حتى وهو يدفع ثمن اختلالات لا تنتهي؟
ما يجري اليوم ليس مجرد خلل تقني عابر، بل مؤشر على أزمة عميقة في فلسفة تدبير المرفق العمومي، فحين تتحول الأولوية إلى تضخيم المؤشرات المالية، على حساب تحسين تجربة المرتفق، فإننا أمام انحراف خطير عن جوهر الخدمة العمومية، التي يفترض أن تكون في خدمة المواطن لا العكس.
الأكثر خطورة أن هذا الوضع يكرّس نوعاً من “اللامساواة الصامتة”، حيث تتحول المليارات إلى أرقام في التقارير، بينما يظل أثرها الاجتماعي شبه منعدم.
فلا تحسن ملموس في جودة العربات، ولا انضباط في المواعيد، ولا تطور في شروط الاستقبال، وكأن هذه الموارد لا تعود بأي قيمة على من يمولها فعلياً: المواطن.
إن الحديث عن الاستثمار والتحديث لا يمكن أن يظل حبيس العروض التقديمية والبلاغات الرسمية، لأن الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة عمومية لا يكون في قاعات الندوات، بل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين: في رحلة طالب، في تنقل عامل، في وقت موظف، وفي كرامة راكب لا يطلب سوى خدمة تليق به.
اليوم، لم يعد مقبولاً الاستمرار في هذا التناقض الصارخ بين “مغرب الأرقام” و”مغرب الواقع”، فالمغاربة لا يعارضون تحقيق الأرباح، لكنهم يرفضون أن تكون هذه الأرباح معزولة عن تحسين جودة حياتهم، بل إن استمرار هذا الوضع يهدد بتآكل الثقة في واحدة من أهم المؤسسات الحيوية في البلاد.
إن المكتب الوطني للسكك الحديدية أمام لحظة حقيقة: إما أن يربط نجاحه المالي بتحسن فعلي في جودة الخدمات، أو أن يستمر في إنتاج خطاب منفصل عن واقع يزداد احتقاناً، لأن المرفق العمومي، في نهاية المطاف، لا يُقاس بما يربحه من أموال، بل بما يقدمه من كرامة لمستعمليه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد